الإثنين, أبريل 27, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي هل يُجبر الكونغرس ترامب على إنهاء حربه ضد إيران أم يشتعل التمرد...

 هل يُجبر الكونغرس ترامب على إنهاء حربه ضد إيران أم يشتعل التمرد الدستوري؟.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

قد يجد الرئيس الأميركي والكونغرس نفسيهما قريباً في مواجهة أحد أعقد التحديات الدستورية والقانونية التي شهدتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. فمع انقضاء شهر أبريل، ستكمل العملية العسكرية الأميركية التي أُطلق عليها “الغضب الملحمي” يومها الستين. ووفقاً للدستور والقوانين الفيدرالية، لا يملك ساكن البيت الأبيض صلاحية الانخراط في عمليات عسكرية خارجية دون تفويض من الكونغرس لمدة تتجاوز الشهرين. واليوم، مع اقتراب هذه المهلة من نهايتها، تبرز تساؤلات حتمية حول ما إذا كان ترامب سيُجبر على إنهاء عملياته العسكرية، غير أن الواقع الميداني والسياسي يبدو أكثر تعقيداً بكثير من مجرد نصوص قانونية جافة.

بالعودة إلى “قانون صلاحيات الحرب” (War Powers Act) المشرّع في عام 1974، نجد أنه يُلزم الرئيس الأميركي بإنهاء أي عملية عسكرية تفتقر إلى تفويض من الكونغرس فور انقضاء مدة الستين يوماً، مستثنياً من ذلك ثلاث حالات محددة: أولها أن يُصدر الكونغرس بأغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب إعلاناً رسمياً بالحرب، وثانيها أن يتم تمرير تشريع يسمح بتمديد العمليات العسكرية، وثالثها أن تتعرض الولايات المتحدة لهجوم مباشر يجعل من مسألة إنهاء العمليات العسكرية أمراً مستحيلاً من الناحية التكتيكية والعملياتية. كما يمنح القانون للرئيس حق طلب تمديد إضافي لمدة 30 يوماً فقط لتأمين انسحاب آمن للقوات. لقد صُمم هذا القانون أساساً لاستعادة صلاحيات الكونغرس الدستورية في إعلان الحرب، ووضع حد لتفرد الرؤساء بالقرارات العسكرية لمنع انزلاق أميركا في مستنقعات جديدة على غرار “فيتنام”.

إن تحقق أي من الحالتين الأولى أو الثانية يرتهن بشكل كلي بمدى استعداد المشرعين الجمهوريين -الذين يمتلكون أغلبية هشة في غرفتي الكونغرس- للاصطفاف خلف ترامب. بيد أن تحقق السيناريو الأول المتمثل في إعلان حرب شاملة يبدو مستبعداً إلى حد كبير؛ فجزء لا يستهان به من الجمهوريين، ورغم دعمهم المبدئي والموحد للضربات ضد إيران، يقفون اليوم موقفاً معارضاً بشدة لأي حرب استنزاف طويلة الأمد قد تكلفهم مقاعدهم في انتخابات التجديد النصفي المرتقبة. وفي حال تبلور هذا الرفض، سيشكل هؤلاء المتمردون الجمهوريون، إلى جانب الكتلة الديمقراطية، أغلبية قادرة على إجهاض أي مسعى لإعلان الحرب. أما السيناريو الثاني المتعلق بتمديد العمليات، فقد يكون وارداً وممكناً، خاصة إذا ما كان التمديد محصوراً بفترة زمنية ضيقة، حيث قد يمارس ترامب ضغوطاً هائلة على النواب الجمهوريين المترددين لضمان استمرار الغطاء التشريعي لعملياته.

غير أن ضمان الدعم الجمهوري لتمديد العمليات لشهرين إضافيين محفوف بالمخاطر والتجاذبات. فخلال الأسبوعين الماضيين، تواترت تقارير عديدة تؤكد أن عدداً من أبرز أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب عن الحزب الجمهوري قد مارسوا ضغوطاً مكتومة على ترامب لحثه على إنهاء المواجهة مع إيران في أسرع وقت ممكن. مردُّ هذا القلق الجمهوري هو الارتفاع الملحوظ في أسعار الوقود وتصاعد ضغط الرأي العام الداخلي، وهي عوامل تجعل من شبه المستحيل سياسياً على هؤلاء النواب الاستمرار في دعم حرب خارجية بعد انقضاء مهلة الستين يوماً، لا سيما والبلاد تقف على أعتاب انتخابات نصفية حساسة.

في ظل هذه المعطيات، يُطرح التساؤل: هل يمكن لترامب الاستمرار في الحرب إذا ما فشل في انتزاع إعلان رسمي بها أو تفويض بتمديدها؟ التاريخ الأميركي يخبرنا أن كبرى الحروب والتدخلات العسكرية بدأت واستمرت دون تفويض صريح من الكونغرس، حيث دأبت الإدارات المتعاقبة على إيجاد ثغرات قانونية للالتفاف على السلطة التشريعية. وإحدى أبرز هذه الثغرات تكمن في صلب قانون 1974 ذاته، وتحديداً في “الحالة الثالثة”؛ إذ قد تشهد الأسابيع المقبلة تصعيداً دراماتيكياً في وتيرة الاشتباكات الميدانية بين القوات الأميركية والإيرانية، إلى حد تصبح معه واشنطن عاجزة فعلياً عن سحب قواتها بأمان، مما يفرض عليها واقعاً يلزمها بمواصلة القتال بحكم الضرورة الميدانية.

إدراكاً منهم لهذه الثغرة، يسابق الديمقراطيون الزمن قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، محاولين تمرير مشروع قانون يُلزم الرئيس بسحب القوات المسلحة من الأعمال العدائية غير المصرح بها مع إيران. وهنا أيضاً، يبرز الموقف المتردد لبعض الجمهوريين كبيضة القبان؛ فإذا انقضت مهلة الستين يوماً دون تحقق أي من الاستثناءات القانونية الثلاثة، وأصرّ ترامب على المضي قدماً في حربه، فإن احتمالية انشقاق عدد من المشرعين الجمهوريين وانضمامهم للديمقراطيين لتمرير قانون ينهي الحرب تصبح احتمالية واقعية جداً.
أما السيناريو الأكثر تعقيداً، فيتمثل في انقضاء المهلة دون إعلان حرب، ودون تفويض بالتمديد، ودون استحالة ميدانية للانسحاب، ومع ذلك يواصل ترامب عملياته العسكرية في ظل عجز الديمقراطيين عن حشد الأصوات الكافية لفرض الانسحاب. في هذه الحالة، ستشهد العاصمة واشنطن صداماً دستورياً وقانونياً غير مسبوق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، صداماً سيجر المحكمة العليا الأميركية لتكون حكماً في قضية الحرب مع إيران، تماماً كما تدخلت سابقاً للفصل في نزاعات السياسات الجمركية لترامب، والتي تعتبر دستورياً حقاً حصرياً للكونغرس.

في المحصلة، تعصف بأروقة الكونغرس اليوم حالة من التخبط والضبابية الشديدة بشأن مسار هذه المواجهة. ولا يمكن لأي مراقب أن يجزم اليوم بما إذا كان ترامب سيوقف آلة الحرب بعد انقضاء يومها الستين؛ فكل الخيوط متشابكة، والقرار النهائي سيبقى رهينة لمعادلات القوى الداخلية في الحزب الجمهوري، ومناورات الديمقراطيين، وقبل هذا وذاك، لما ستفرزه تطورات ساحة المعركة الملتهبة بين واشنطن وطهران.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات