الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهندسة الطاولة من جديد!..بقلم احمد صالح

هندسة الطاولة من جديد!..بقلم احمد صالح

سودان تمورو

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وقبيل الزيارات المفصلية التي يقوم بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لرسم ملامح المرحلة، بات من الجلي أن مسار مفاوضات إسلام آباد بشكله الحالي هو طريق يفضي حتماً إلى طريق مسدود. ينبع هذا الاستنتاج من معطيات واقعية؛ فباكستان، ومنذ ولادة مفهوم “الإندو-باسيفيك” الجيوسياسي وتعاظم المحورية الهندية في الاستراتيجيات الأمنية الأمريكية لاحتواء الصين، وجدت نفسها مستبعدة من اللعبة الكبرى للقوى العظمى، وهو ما تجلى بوضوح في تجاهلها ضمن تحالف “I2U2” وممر “IMEC”. واليوم، ومع التوجهات الجديدة في واشنطن والحروب التجارية، ترى إسلام آباد فرصة ذهبية للتقارب مع الولايات المتحدة، وهي مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية لتحقيق ذلك. يضاف إلى ذلك التحولات الداخلية الباكستانية العميقة التي أطاحت بحكومات سابقة بتدخلات خارجية، والتقارب الوثيق للقيادة الحالية مع المحور الأمريكي-العربي، مما حول باكستان من وسيط محايد إلى لاعب أساسي في الملعب الأمريكي، لتصبح طاولة إسلام آباد ذات هندسة أمريكية خالصة لا يمكن التعويل عليها.

للخروج من هذا المأزق، تبدو الحاجة ماسة لتصميم طاولة مفاوضات جديدة بقواعد ذاتية، ترتقي في مستواها إلى حجم التعقيدات العالمية الراهنة، وتوفر الضمانات الكفيلة بتحقيق سلام مستدام. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى المفاوضات إلا كخطة بديلة ومقدمة لإثارة الانقسامات الداخلية، وعرقلة المسارات الاقتصادية، وصولاً إلى إثارة الفوضى والتمهيد لخيارات عسكرية مستقبلية. ولمواجهة هذه الاستراتيجية، يتوجب تفعيل أوراق اقتصادية وجيوسياسية حاسمة بعيداً عن واشنطن، مثل نقل مراكز التسوية المالية، وتنشيط قطاع السياحة، وتعزيز “المرونة الاقتصادية” عبر المشاركة الفاعلة في مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، والربط بممر (CPEC)، فضلاً عن التنسيق المشترك لكسر أي حصار بحري يستهدف المصالح المشتركة مع بكين.

إن تشابك الملفات المفتوحة مع كل من بكين وموسكو، بدءاً من ممرات النقل وقضايا القوقاز وآسيا الوسطى، وصولاً إلى أزمات الشرق الأوسط، يتطلب نمطاً جديداً وحازماً من الإدارة الاستراتيجية. في عالم اليوم، تُدار ملفات القوى الكبرى على مستوى القيادات العليا والسياسات الكلية، مما يحتم الارتقاء بإدارة العلاقة مع روسيا والصين إلى أعلى المستويات السيادية. ولا يقتصر الأمر على العلاقات الثنائية، بل يمتد إلى رسم هندسة أمنية جديدة لمنطقة غرب آسيا، ترتكز على تقليص النفوذ الأمريكي بالتعاون مع موسكو وبكين، ورفع سقف التنسيق الأمني والاستخباراتي ضمن أطر كمنظمة شنغهاي لمواجهة التهديدات المشتركة، سواء كانت تنظيمات مسلحة أو حركات انفصالية في آسيا الوسطى والقوقاز.

من خلال هذه الحوارات، يمكن تشكيل طاولة ثلاثية متينة تناقش قضايا لا علاقة لواشنطن بها، وتُمهد الطريق لتحويلها إلى مفاوضات رباعية عندما تُطرح الملفات الشائكة كأمن المضائق والبرنامج النووي. فكل من روسيا والصين حققتا مكاسب استراتيجية من حالة الاستنزاف الحالية بين الأطراف الأخرى، وكلتاهما تسعى لتوظيف هذا الملف في تسوية قضاياها الخاصة مع واشنطن. وفي حين تبدي موسكو مرونة واستعداداً كبيراً للعب دور الوسيط في الملفات الأمنية المعقدة، تميل بكين إلى الحذر، مفضلة عدم التدخل المباشر إلا إذا تضررت مصالحها الحيوية في مجال الطاقة، وهو ما يتطلب معالجة دبلوماسية دقيقة لإعادة بناء الثقة وتجاوز العقبات البيروقراطية.

أما فيما يخص التعقيدات النووية، فإن أي مرونة مستقبلية يجب أن تُصاغ وفق معادلة قاطعة لا تقبل الابتزاز. المخرج المحتمل يكمن في نافذة ضيقة لا رجعة فيها للجانب الأمريكي، تعتمد على مبدأ “التخصيب الصفري القابل للانعكاس”، بحيث تكون فترات تخفيف المواد النووية طويلة ومقترنة بآليات “زناد” تتيح الاستئناف الفوري للأنشطة في حال الإخلال بالوعود. وفي المقابل، يجب أن يُقابل أي تقييد بالحصول على تكنولوجيا متطورة وضمانات قانونية وأمنية غير مسبوقة من روسيا والصين، تصل إلى حد توفير مظلة حماية في مجلس الأمن وحرية الانسحاب من المعاهدات الدولية إذا ما تعرضت البلاد لتهديدات عسكرية. في المحصلة، يضيق الوقت المتاح لخلق هذا المربع التفاوضي الجديد، الذي يجب أن يُبنى على التضامن الاستراتيجي مع الشرق بدلاً من الارتهان للوعود الأمريكية المؤجلة، بحيث تصبح واشنطن على هامش الطاولة لا في مركزها، وتُفرض معادلة ردع تجعل من كلفة أي حرب مستقبلية الضمانة الحقيقية الوحيدة للسلام.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات