الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلعبة إسرائيل النهائية!.. بقلم يوسف سليم

لعبة إسرائيل النهائية!.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

تنتهي الحروب عادةً حين يختل ميزان القوى بشكل حاسم، أو حين يدرك أحد الأطراف أن الاستمرار في القتال بات عبئاً لا يمكن تحمله. من هذه الزاوية تحديداً، يجب أن نفهم الحرب الدائرة ضد إيران. لم يعد هدف إسرائيل مجرد ضرب بضعة أهداف عسكرية أو نووية؛ بل الهدف أعمق بكثير: إنه استهداف إيران كـ “دولة”، أي إضعاف قدرتها على الحكم، وفرض القانون، وحفظ النظام، وتأمين الخدمات، وفي نهاية المطاف، إعادة إنتاج سلطتها السياسية.

من هذا المنظور، فإن الهجمات على المراكز الأمنية والعسكرية، والمنشآت الصناعية والبتروكيماوية، والبنى التحتية للطاقة، ومصادر الدخل الحكومية، ليست مجرد سلسلة من الإجراءات المتفرقة. بل يجمعها منطق واحد: تقويض قدرة الدولة الإيرانية على الحكم. فحين تُستهدف موارد الدولة، وتُعطَّل البنى التحتية الحيوية، وتُرهَق القوات المسؤولة عن الأمن الداخلي، ويُستنزف المجتمع نفسياً ومعيشياً، لا يكون الهدف هو التدمير المادي فحسب، بل تآكل قدرة الدولة على الفعل وكسر إمكانية الحياة الجمعية.

لهذا السبب، من الخطأ الاستراتيجي الفادح الاعتقاد بأن الضغوط العسكرية والأمنية ستتوقف بمجرد تسوية الملف النووي. إن وهم الاعتقاد بأن تخلي إيران عن تخصيب اليورانيوم، أو شحنه إلى الخارج، أو حتى القبول بـ “تخصيب صفري قابل للعكس”، سيغلق دائرة الصراع، هو قراءة سطحية للواقع. فالحقيقة أن المعركة قد تجاوزت بالفعل حدود الملف النووي. امتلاك يورانيوم مخصب بنسبة 60% قد لا يوفر ردعاً كاملاً، لكن التخلي عنه سيمنح الخصم نافذة فرصة جديدة.

إن التنازل عن هذه الورقة، دون أن يقابله تغيير حقيقي في ميزان القوى، لن يزيل دافع الطرف الآخر لوقف عملياته، بل قد يدفعه للانتقال إلى المرحلة التالية من الضغط التي قد تشمل الطاقة، والنقل البحري، والشبكات المالية، وصولاً إلى النسيج الاجتماعي والنخب السياسية. حتى الحصار البحري يمكن فهمه ضمن هذا السياق؛ فهو ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل امتداد لنفس منطق الحرب الذي يربط العمليات العسكرية بالضغط الاقتصادي والحرب النفسية في حلقة متكاملة. بل والأخطر من ذلك، أن إسرائيل تسعى إلى خلق سلسلة من الأحداث التي “تقفل” مسار المستقبل أمام إيران. الهدف ليس فقط توجيه ضربة اليوم، بل بناء وضع يضمن بقاء إيران في دوامة من التآكل وأزمات الحكم والضغط الاقتصادي، حتى لو تراجع الدور الأمريكي المباشر في المستقبل. إنه منطق “فرض المسار” (Path Dependency): خلق أزمات متتالية تقيّد حركة الدولة حتى في غياب المسبّب الأول.

في ظل هذه الظروف، فإن أفكاراً مثل “التخصيب الصفري” أو التخلي الكامل عن اليورانيوم لا يمكنها إنهاء الحرب من تلقاء نفسها. قد تكون جزءاً من حزمة دبلوماسية، لكنها إن لم تستند إلى قدرة ردع حقيقية، ستبدو كتنازلات أحادية الجانب أكثر من كونها حلاً للأزمة. القضية الجوهرية ليست في قبول إيران بالاتفاق أو رفضه، بل في ميزان القوى الذي سيُوقَّع الاتفاق في ظله. فالاتفاق في وضع الضعف قد يكون مجرد مقدمة للمرحلة التالية من الضغط، بينما الاتفاق في ظل التوازن هو ما قد يقود إلى نهاية حقيقية للحرب.

وطالما لم تتمكن إيران من خلق توازن قوى فعال، فلن تجد إسرائيل سبباً لوقف الضغط. فإسرائيل ترى نفسها في موقع تفوق استراتيجي: تفوق استخباراتي، وتفوق جوي، وقدرة على توجيه ضربات في العمق، ودعم أمريكي مطلق، والأهم من كل ذلك، مظلة ردع نووي. في هذا الواقع، يصبح سقف التصعيد المتاح لإيران أدنى بكثير من سقف التصعيد لدى إسرائيل. لهذا، فإن الطريق الحقيقي لخفض التصعيد لا يمر عبر التخلي عن أدوات الضغط الإيرانية، بل عبر بناء “توازن صلب”. فالطرف الآخر لن يفكر في وقف عملياته إلا حين يقتنع بأن الاستمرار فيها سيحمله تكلفة مضمونة لا يمكنه تحملها. هذا هو جوهر منطق الردع الصلب: وضع لا يستطيع فيه أي طرف مواصلة الحرب دون خوف من ضرر جسيم وغير مقبول.

بالطبع، هذا المسار صعب ومكلف ومحفوف بالمخاطر. لكن من الناحية الاستراتيجية، طالما أن إيران لا تملك سوى أوراق قابلة للتفاوض وتفتقر إلى أدوات حاسمة لصنع التوازن، فإن الخصم سيعتبر أي اتفاق ليس نهاية للحرب، بل مجرد تمهيد للمرحلة التالية. وعليه، فإن السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كان على إيران تسوية ملفها النووي أم لا، بل هو: كيف يمكن لإيران أن ترفع تكلفة الحرب ضدها إلى درجة يصبح معها الاستمرار فيها خياراً غير منطقي استراتيجياً للطرف الآخر؟ فبدون إجابة على هذا السؤال، سيبقى أي تنازل فني أو تراجع نووي مجرد حلقة في سلسلة لا تنتهي: عملية عسكرية، تليها حرب نفسية، ثم ضغط اقتصادي، ثم حصار، ثم مفاوضات، لتبدأ الدائرة من جديد. فالحرب تنتهي حقاً حين يتغير ميزان القوى، لا حين يُغلق أحد ملفاتها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات