الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةأخبار العالم"eurasia review": مفارقة حلف "الناتو" بين المبادئ والمصالح

“eurasia review”: مفارقة حلف “الناتو” بين المبادئ والمصالح

سودان تمورو
يتناول مقال الكاتبة جوكسينا غيوني في صحيفة “eurasiareview” طبيعة “الناتو” كتحالف يجمع بين القيم المشتركة وسياسات القوة، مبرزاً ازدواجيته بين كونه ضامناً للأمن ومؤسسة قائمة على الردع العسكري. كما يناقش تأثير التحولات الدولية ودور الولايات المتحدة في إعادة تشكيل تماسك الحلف من تضامن قيمي إلى تعاون مشروط قائم على المصالح.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

تأسس حلف شمال الأطلسي “الناتو” عقب الحرب العالمية الثانية، بهدف طموح في منع تكرار الصراعات العالمية الكارثية. وعلى مدى 77 سنة الماضية، تطور الحلف من حصن ثابت خلال الحرب الباردة إلى منظمة سياسية عسكرية ديناميكية، متوسعاً ليضم 32 دولةً في بيئة أمنية متزايدة التعقيد، وفي ظل مفارقة جوهرية، حيث الحلف “الضامن للسلام” من جهة، هو منظمة قائمة على التهديد الواضح باستخدام القوة من جهة أخرى، حيث الازدواجية هذه تضع الحلف بين “قدسية” القيم المشتركة و”دناءة” سياسات القوة.

بدلاً من أن يكون هذا التوتر تناقضاً، فإنه يعكس النظام الدولي الذي يعمل فيه “الناتو”، وهو نظام هجين يتشكل من التزامات معيارية وقيود واقعية في آن واحد.

ويكمن جوهر ما يُنظر إليه على أنه “قدسية” حلف الناتو في مبدأه الأساسي في الدفاع الجماعي، حيث المادة 5 من معاهدة واشنطن كآلية للردع وكحجر زاوية لمجتمع أمني. وضمن هذا الإطار، يصبح استخدام القوة بين الأعضاء أمراً لا يمكن تصوره.

وبهذا المعنى، يمثل “الناتو” أكثر من مجرد تحالف مصلحي، ويجسد تجمعاً يرتكز على التضامن السياسي والثقة المتبادلة، وهو بُعد معياري كان محورياً في شرعنة الحلف.

مع ذلك، فإن النظر إلى الحلف الأطلسي من خلال هذه المفاهيم “المقدسة” وحدها سيكون قاصراً. ومثل معظم التحالفات العاملة في نظام دولي فوضوي، يتأثر الحلف بالمصالح الاستراتيجية، واختلالات موازين القوى، والحسابات الجيوسياسية، بينما يُظهر دور الولايات المتحدة البارز داخل “الناتو” هذه الازدواجية بشكل خاص. فما يزال موقف الردع لدى الحلف يعتمد اعتماداً كبيراً على القوة العسكرية الأميركية. وبصفتها المزود الرئيسي للحلف بالقدرات العسكرية والقيادة الاستراتيجية، تحتل الولايات المتحدة دوراً مهيمناً هيكلياً، يُعزز تماسك الحلف ويُعقده في آن واحد، مُوقعاً اختلالات هيكلية مؤثرة على ديناميكياته الداخلية.

إعادة ضبط لا انهيار
يضيف هذا التفاوت بعد تفاقمه في الحرب في أوكرانيا، بعداً نفعياً إلى سياسات القوة في التحالف، ويؤكد أن التماسك لا يعتمد فقط على القيم المشتركة، بل أيضاً على ما هي التوقعات المتفاوض عليها. وعلى الرغم من أن هذه الديناميات ليست جديدة، فقد أصبحت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، لا سيما خلال إدارة ترامب، حيث يبرز التشكيك في الطبيعة المشروطة للالتزامات الأميركية. فإن احتمال فك الارتباط الأميركي بالحلف لا يولد هذا التوتر داخل “الناتو” فحسب، بل يكشفه. وعادةً ما كان الضمان الأميركي بمثابة تعهد راسخ، لكن الانكفاء الاستراتيجي الأميركي يؤدي إلى حالة من عدم اليقين ليس من خلال تفكيك التحالف، بل من خلال إعادة تشكيل كيفية تفسير الالتزام.

وعندما تبدأ الضمانات الأمنية في الظهور وكأنها مشروطة، يعيد سلوك التحالف ضبط نفسه. وغالباً ما تتجلى هذه المعايرة من خلال 3 تحولات مترابطة من التضامن التلقائي إلى التعاون المحسوب، ومن التماسك القائم على الهوية إلى اعتبارات التكلفة والمنفعة، ومن الثقة الضمنية إلى التفاوض الصريح.

تكشف هذه التحولات عن بعده كأداة دائمة لحلف “الناتو”، حيث تصبح المصالح الاستراتيجية أكثر وضوحاً إلى جانب الالتزامات المعيارية. وغالباً ما توصف عناصر عدم القدرة على التكهن في الأدبيات بأنها وضعية “الرجل المجنون”. وفي قراءة استفزازية، يجد مفهوم فريدريك نيتشه عن “الإنسان السوبر”، أي الشخصية التي تتجاوز المعايير التقليدية وتفرض قيماً جديدة، صدى استراتيجياً في هذا النهج، وتصبح المخادعة أداة متعمدة لتعطيل التوقعات وفرض الهيمنة ضمن نظام دولي فوضوي، وفي داخل “الناتو”، حيث التماسك يعتمد على المصداقية والثقة، التي تعزز الردع الخارجي، لكنها تؤدي في الوقت عينه إلى قلق داخلي، بينما إدارة هذا التوتر أمر أساسي لضمان أن الإشارات الاستراتيجية تعزز تماسك الحلف بدلاً من تقويضه.

القيادة والرمزية والمسؤولية
في هذا السياق سعت ضغوطات الخطاب السياسي الأميركي إلى إعادة صياغة التحالف، لا إضعافه. وقد جادل نائب الرئيس جيه دي فانس بأن زيادة المسؤولية الأوروبية لا ينبغي تفسيرها على أنها خروج عن مبادئ التحالف، بل كوسيلة لتعزيزها. فعلى مدى عقود أدى الثقل الهيكلي للولايات المتحدة إلى نشوء تسلسل هرمي حتمي داخل الحلف مما أنتج نمطاً من الهيمنة والتبعية. كما أن التوزيع الأكثر توازناً للقدرات ليس مجرد مسألة عدالة، بل ضرورة استراتيجية، بينما الحد من عدم التكافؤ يُعزز الالتزام المتبادل، ويُحسن المصداقية، ويدعم استدامة التحالف على المدى الطويل.

تعكس المناقشات الأخيرة حول تقاسم الأعباء والقيادة هذا التغيير المستمر في بيئة سياسية يُختزل فيها الخطاب بسهولة إلى مجرد استعراض، حيث كانت ملاحظة الأمين العام لحلف “الناتو” في قمة لاهاي، التي وصف فيها ترامب بأنه “أبو” الحلف، بإشارة بلاغية إلى التسلسل الهرمي والمسؤولية وتقاسم الأعباء.

ومع ذلك، فإن الرمزية وحدها لا تُولد القيادة، التي تُقاس داخل الحلف في نهاية المطاف ليس بالخطاب، بل بالمسؤولية، حيث يفترض إدارة 32 مصلحة وطنية متنافسة من خلال الحفاظ عليها داخل “الناتو” معاً، وترجمة التباين إلى تماسك والضغط إلى هدف جماعي.

تأديب القوة: السلام من خلال القوة
على هذا قد تتحول التحالفات من التضامن المبدئي إلى التعاون المشروط، ومن التماسك القائم على الهوية الجماعية إلى منطق التكلفة والمنفعة، مما يُقوّض الأساس المعياري لحلف “الناتو”، ويعكس حقيقة أن حتى التحالفات القائمة على القيم تعمل ضمن نظام يتشكل بفعل عدم اليقين والمنافسة. فهذا في جوهره بعيداً عن مجرد التعبير عن القدرة العسكرية، تُعتبر قوة الحلف قوة أخلاقية في الأساس، تستمد شرعيتها ليس فقط من قوتها، بل من كيفية ممارسة هذه القوة.

وتكمن أهميتها الدائمة في توافقها مع المبدأ الذي يُلخص غالباً بعبارة “السلام من خلال القوة”، وهي عقيدة أعاد الرئيس ترامب تكريسها في الخطاب السياسي المعاصر. والقوة هنا ليست غاية في حد ذاتها، بل شرط يُتيح النظام والردع، وفي نهاية المطاف “حماية كرامة الإنسان ضمن نظام دولي غير مستقر”.

يكمن في جوهر هذا توتر فلسفي أعمق عن القوة كمبدأ أخلاقي، لمن يسود في غياب سلطة مركزية عليا. فمن ملاحظة ثوسيديدس بأن “الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله”، إلى إصرار نيكولا مكيافيلي على مركزية سياسات القوة، ظهرت العلاقات الدولية على أنها تعمل ضمن “حالة طبيعية” حيث لا تستطيع أي سلطة مركزية تقييد الجهات الفاعلة ذات السيادة بشكل كامل.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح البقاء والأمن الشغل الشاغل للدول، بغض النظر عن قيمها الداخلية. وتبرز أهمية حلف “الناتو” تحديداً في كيفية تعامله مع هذا الواقع. فبدلاً من إنكار أهمية القوة، يسعى الحلف إلى تنظيمها وضبطها . ورغم أن الواقعية تعتبر القوة غير أخلاقية، إلا أنها تجادل بأنها ضرورية بنيوياً في ظل ظروف الفوضى. وهنا يكتسب مبدأ “السلام من خلال القوة” معنى أعمق، ليس كمبرر للقوة، بل كآلية لتحقيق الاستقرار في نظام غير مستقر بطبيعته.

وفي صياغة أكثر إثارة للجدل وضعها نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”، تُعتبر القوة والصراع والتوتر عناصر جوهرية للنمو والتحول والمرونة، مما يمنع الركود. وإذا ما فُسرت هذه الرؤية إلى السياسة الدولية المعاصرة، فإنها لا تعني أن الصراع مرغوب فيه، بل تعني أنه دائم. ولا تشير إلى أخلاق مطلقة، بل إلى إدراك أن الأنظمة التي تتجاهل هذا الشرط تُخاطر بالولوج إلى الهشاشة، بينما تلك التي تتكيف معه تزيد تنمية قوتها. ولا يوجد تحالف آخر في العالم، باستثناء حلف شمال الأطلسي، يُجسد هذا المنطق التكيفي.

فهو لا يسعى إلى القضاء على المنافسة، بل إلى إدارتها، وردع التصعيد مع الحفاظ على الجاهزية، ثم يحول الحلف القوة الخام إلى قوة مأسسة لتحقيق الاستقرار، وهذا يميزه عن التحالفات القسرية البحتة، ويُرسخ شرعيته في مبادئ توجيهية، حيث يصبح هذا التوازن بين القوة والغاية بالغ الأهمية في سياق تجدد التنافس بين القوى العظمى، بينما تؤكد تصرفات بعض الجهات الفاعلة استمرار التنافس الجيوسياسي، مشددةً على ضرورة الدفاع الجماعي القوي والتماسك الاستراتيجي، حيث إن الجهات الفاعلة لا ترى الاضطرابات على أنها مؤقتة أو تحديات عابرة، بل هي سمات دائمة للنظام الدولي.

الطبيعة الهجينة للحلف
المفارقة الأساسية أنه يجب على حلف الناتو أن يؤكد باستمرار هويته كجماعة قيمية، بينما يعمل في الوقت نفسه ضمن نظام تحكمه سياسات القوة.

وكما يجادل الواقعيون البنيويون، فإن النظام الدولي الفوضوي يجبر الدول على إعطاء الأولوية للبقاء والميزة النسبية. ولا يكمن التحدي الذي يواجه “الناتو” في الهروب من هذا المنطق، بل في إدارته، لضمان ألا تؤدي الضرورة الاستراتيجية إلى تآكل الشرعية المعيارية.

ولهذا السبب، يظهر “الناتو” بلا لبس، ليس كتحالف “مقدس” ولا كتحالف “غير مقدس”، بل كهيكل هجين يُضفي طابعاً أخلاقياً على القوة بينما يعمل ضمن نظام واقعي. وتنبع مرونته من هذه الازدواجية، وتوفر القيم تماسكاً وشرعية على المدى الطويل، وتُمكن المصالح من التكيف والاستجابة. فلا يظهر الخطر إلا عندما يختل التوازن بشدة في اتجاه واحد حين يُقوض المنطق التبادلي الثقة، أو عندما لا تكون الالتزامات المعيارية مدعومة بقدرات موثوقة.

ولا تكمن “قدسية” حلف “الناتو” في غياب القوة، بل في استخدامها المنضبط، بينما تعكس “عدم قدسيته” البيئة التي يعمل فيها عند تقاطع هذه الحقائق، حيث تلتقي المُثل بالمصالح، وعدم صون السلام بالحد من الصراع، بل بالقدرة الموثوقة على ردعه من خلال التصحيح الذاتي المستمر.

ومع تطور النظام الدولي عبر الاضطرابات وعدم اليقين والتنافس، من غير المرجح أن تتضاءل أهمية حلف شمال الأطلسي، الذي سيبقى قائماً بعد زوال القادة والدورات السياسية والأزمات العابرة، لأنه متجذر في ضرورة هيكلية، هي الحاجة الدائمة لتنظيم القوة في عالم لا يمكن فيه إلغاءها. وهكذا، يستمر “الناتو” كتركيبة تجمع بين البعدين، على الأخص لأنه يرفض حل التوتر بين منطقي القوة والشرعية، ثم يرسخه بسعي باستمرار إلى التوفيق بينهما في عالم لا يمكن فيه لأي منهما أن يستمر بمعزل عن الآخر.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات