الأحد, مايو 17, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارهل تُدفع العاصمة لتكون "مدينة أشباح" في حرب الوكالة؟

هل تُدفع العاصمة لتكون “مدينة أشباح” في حرب الوكالة؟

حاص سودان تمورو

في الوقت الذي بدأت فيه أنفاس الحياة تعود بخجل إلى أروقة الخرطوم، ومع بدء تقاطر العائدين من قسوة المهجر ومرارة النزوح أملاً في استعادة تفاصيل يومياتهم، عادت لغة البارود لتفرض كلمتها من جديد. سماء العاصمة السودانية لم تعد تظلل العائدين بالأمان، بل باتت مسرحاً لمسيّرات قوات الدعم السريع التي صوّبت نيرانها نحو مواقع حيوية في الخرطوم، في تصعيد مفاجئ تصدت له المضادات الأرضية في مطار العاصمة، بينما حاولت مسيّرات أخرى استهداف منطقة المرخيات العسكرية غربي أم درمان. هذا التطور الميداني الذي نقلته التقارير الإخبارية، يطرح تساؤلات جوهرية تتجاوز لغة الرصاص لتلامس جوهر المأساة السودانية: لماذا الآن؟ وما الذي تجنيه هذه القوات من وأد حالة التعافي الهشة وتفريغ العاصمة من سكانها؟

يبدو أن هناك إصراراً ممنهجاً على تحويل الخرطوم إلى “مدينة أشباح” تسكن عماراتها المهجورة القطط، تماماً كما جاء في نبوءات وتصريحات سابقة لقيادة الدعم السريع. يتجلى هذا العبث في أوضح صوره عند استهداف البنى التحتية، كمحطات توليد الكهرباء، تحت غطاء العمليات العسكرية. فالجميع يدرك، بمن فيهم المهاجمون، أن المعسكرات والمقار العسكرية محصنة بمولداتها الخاصة ولن تتأثر بقطع التيار، ما يعني أن الضريبة القاسية سيدفعها حصراً المواطن الأعزل، الذي سيجد نفسه غارقاً في الظلام، وتتوقف أجهزته المنزلية، لتُضاف معاناة جديدة إلى سجل يومياته المثقل أصلاً بتبعات الحرب.

هذا العمل الذي يندرج في خانة الاستهداف المباشر لمقومات الحياة، لا يمكن إلا أن يواجه بإدانة قاطعة. غير أن قراءة المشهد من زاوية أوسع، في ظل صعوبة الحسم العسكري، تكشف عن خيوط لعبة إقليمية تتجاوز الحدود السودانية. فقد بات جلياً أن الجهات الراعية لمشروع الحرب في السودان قد التقطت أنفاسها مع تراجع حدة التوترات أو الهدن المؤقتة في صراعات الشرق الأوسط، لتستأنف ضخ السلاح والعتاد النوعي لعملائها في الداخل، وهو ما يفسر العودة المفاجئة والشرسة لهذه الهجمات عبر الطائرات المسيّرة الاستراتيجية.

إن السجل الميداني لقوات الدعم السريع، وما شابه من انتهاكات واسعة طالت حرمات وممتلكات الشعب السوداني، يجعل من طاولة المفاوضات خياراً محفوفاً بالتعقيدات، خاصة مع الرفع المستمر لسقف المطالب الذي يعرقل أي أفق لتوقيع اتفاق سلام شامل. ولكن، أمام هذا المشهد العبثي، تقف الحكومة السودانية أمام مسؤولية تاريخية للتعامل بحكمة وحزم مع هذا الواقع المعقد. فاستمرار حالة الحرب لأكثر من ثلاث سنوات، واستخدام ترسانة عسكرية أثبتت قدرتها على كسر الطوق وضرب كافة المدن والمراكز الحضرية، خلق وضعاً كارثياً يستحيل على السودانيين التعايش معه. الحلول الجذرية لم تعد ترفاً، بل هي الضرورة القصوى لإنقاذ ما تبقى من وطن يُستنزف بلا هوادة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات