خاص سودان تمورو
دخلت الأزمة السودانية مرحلة “المكاشفة الخشنة” بعد توجيه اتهامات رسمية وموثقة من قبل الحكومة السودانية لكل من أديس أبابا وأبوظبي بالضلوع المباشر في استهداف منشآت سيادية، وعلى رأسها مطار الخرطوم الدولي.
هذا الإعلان لا يمثل مجرد احتجاج سياسي، بل هو تأسيس لقواعد اشتباك جديدة تضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان من التصعيد.
بإعلان السودان “الاحتفاظ بحق الرد”، فإنه يضع هذه القوى في خانة “الأطراف المعتدية” وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يترتب عليه:
تدويل النزاع: الاتهام الرسمي يحول الأزمة من “حرب أهلية” أو “تمرد داخلي” إلى نزاع مسلح ذي أبعاد دولية، مما يمنح السودان الحق في اللجوء لمجلس الأمن الدولي تحت البند السابع إذا ما ثبت وقوع عدوان خارجي.
قطع شعرة معاوية: هذا التصريح ينهي أي فرص حالية للوساطة الإقليمية التي قد تلعبها هذه الأطراف، ويجعل من وجودها في أي طاولة مفاوضات مستقبلاً أمراً محلاً للرفض من جانب الحكومة السودانية.
ورغم تعقيد الوضع العسكري، يمتلك السودان عدة مسارات للتحرك:
المسار القانوني الدولي: تقديم شكاوى مدعومة بالأدلة الفنية (صور الأقمار الصناعية، حطام المسيرات، أو بيانات التتبع الجوي) إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، مما قد يفرض ضغوطاً سياسية وعزلة على الأطراف المتهمة.
المعاملة بالمثل دبلوماسياً: تصعيد الإجراءات ضد البعثات الدبلوماسية، والوصول إلى قطع العلاقات الكامل، وتجميد الاتفاقيات الثنائية والاقتصادية.
التحالفات المضادة: تعزيز التعاون العسكري والأمني مع القوى الإقليمية والدولية التي تتقاطع مصالحها مع الخرطوم وتتوجس من الأدوار الإثيوبية أو الإماراتية، لخلق توازن قوى جديد.
هذه الخطوة ستنعكس مباشرة على وتيرة العمليات العسكرية كالتالي:
اتساع رقعة الاستهداف: قد تلجأ القوات المسلحة السودانية إلى ضرب خطوط الإمداد التي تعتقد أنها تأتي عبر الحدود، مما قد يؤدي إلى احتكاكات حدودية مباشرة، خاصة مع إثيوبيا.
استنفار الحاضنة الشعبية: توجيه الاتهام لجهات خارجية يساهم في حشد الالتفاف الشعبي حول الجيش باعتباره “مدافعاً عن السيادة ضد غزو خارجي”، وليس مجرد طرف في صراع على السلطة.
تغيير نوعية السلاح: قد يدفع هذا الاتهام السودان لتسريع وتيرة الحصول على منظومات دفاع جوي متطورة أو مسيرات هجومية من حلفاء جدد لصد التهديدات التي حددها في اتهامه.
إن إعلان “حق الرد” هو سلاح ذو حدين؛ فهو من جهة يهدف إلى الردع السيادي وإعلام الأطراف الإقليمية بأن كلفة التدخل ستكون باهظة، ولكنه من جهة أخرى قد يفتح الباب أمام تدخلات أكثر علانية من تلك الأطراف تحت ذريعة حماية مصالحها أو الرد على تهديدات السودان، مما قد يحول البلاد إلى ساحة حرب إقليمية بالوكالة بشكل كامل.
وينتقل السودان اليوم من استراتيجية “الدفاع الاحتوائي” إلى “الهجوم الدبلوماسي والسيادي”. ويعتمد نجاح هذه الخطوة بالدرجة الأولى على قدرة الدولة السودانية على تقديم أدلة دامغة للمجتمع الدولي، ومدى تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة التداعيات الاقتصادية والعسكرية التي قد تنتج عن هذا الاصطدام المباشر مع قوى إقليمية وازنة.
