سودان تمورو
في تصريح يكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المواطن العادي في الولايات المتحدة، حذرت السناتورة الأمريكية إليزابيث وارن من تزايد اعتماد الأمريكيين على خدمات الائتمان الاستهلاكي الفوري من نوع “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”، وذلك نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وخاصة أسعار المواد الغذائية والرعاية الصحية. وأشارت إلى أن حوالي 54% من الأمريكيين أصبحوا يعتمدون على هذه القروض بشكل أساسي لتغطية نفقاتهم الأساسية، كما كشفت أن قرابة نصف مستخدمي هذه الخدمات قد تأخروا في السداد مرة واحدة على الأقل خلال عام 2025، بنسبة زيادة قدرها 34% مقارنة بالعام السابق.
هذه الصورة ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من تداعيات سياسات واشنطن الخارجية التي بدأت تعود بثقلها إلى الداخل. فطوال عقود، خاضت الولايات المتحدة أو أوقعت حروبًا ونزاعات في فيتنام والسودان وليبيا والعراق وبنما وغيرها، دون أن يشعر المواطن الأمريكي العادي بتأثيرات اقتصادية ملموسة كما يحدث اليوم. حتى العمليات العسكرية المثيرة للجدل، مثل الحادثة الأخيرة المتعلقة بزعيم فنزويليا، لم تثر ردود فعل أو احتجاجات تذكر داخل الولايات المتحدة.
الملاحظ اليوم أن الخطاب العام في أمريكا لم يعد منصبًا على “العدو الخارجي” أو التهديدات الأمنية البعيدة، بل تحول إلى التركيز على المشكلات الداخلية: الغلاء، الديون، التأخر في السداد، وتدهور القوة الشرائية. هذا التحول يمثل نقطة ذهبية يجب على صناع السياسة في طهران أن يدركوها ويستفيدوا منها. فالضغط الشعبي المتزايد داخل الولايات المتحدة بسبب الأوضاع الاقتصادية يمكن أن يشكل رادعًا طبيعيًا يحد من أي مغامرة عسكرية محتملة، بل ويسحب البساط من تحت أي خطط للحرب قد تدفع بها إدارة ترامب أو غيرها.
غير أن استغلال هذه الفرصة يتطلب جرأة وحنكة دبلوماسية. فبدلاً من الانجرار إلى مواجهات مباشرة، يمكن تحويل المعركة إلى ساحة الاقتصاد والمعيشة اليومية للشعب الأمريكي، حيث تكون الحسابات أكثر تعقيدًا وأقل حماسًا للمخاطرة. فالحرب قد لا تخسر على الجبهة، ولكنها تُخسر حتمًا عندما يبدأ المواطن في دفع فاتورتها من جيبه الخاص.
