سودان تمورو
لطالما اتسمت العلاقات بين واشنطن وبكين في السنوات الأخيرة بالاضطراب وتخللها انعدام عميق للثقة، إلى حد بات فيه الترابط الاقتصادي بين البلدين دافعاً أساسياً لكليهما لمحاولة فك ارتباط اقتصاديهما عن بعضهما البعض. وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبدو العثور على مساحات للمصالح المشتركة ضرباً من العناء، بل إن تحويل تلك المصالح المحدودة إلى تعاون حقيقي يبدو مستبعداً للغاية في الوقت الراهن. وفي سياق زيارة ترامب، يسعى كلا الزعيمين في أروقة بكين إلى انتزاع مكاسب تكتيكية بحتة، بعيداً عن أي اختراقات استراتيجية كبرى. وعلى الرغم من ذلك، من المستبعد أن تتمخض هذه القمة عن دعم صيني ملموس للتوجهات الأميركية تجاه الملف الإيراني؛ فبينما تحرص الصين على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، فإنها لا تبدي أي رغبة في استنزاف رصيدها الدبلوماسي لإنقاذ إدارة ترامب من الأثمان الباهظة لأي صراع محتمل مع طهران، لا سيما وأن بكين، في الكواليس، لا تزال توفر دعماً مستمراً للنظام الإيراني.
ورغم أن مساحة المفاجآت تبقى مشرعة دائماً في عالم السياسة، إلا أن نجاح هذه الزيارة أميركياً يتمحور حول قدرة ترامب على إدارة خمسة ملفات شائكة ببراعة. أول هذه الملفات وأكثرها حساسية هو تجنب الانزلاق في الفخ التايواني؛ إذ تعول القيادة الصينية على هذا اللقاء لتقويض الدعم الأميركي لتايبيه، خاصة بعد الزيارة التي أجراها زعيم المعارضة التايوانية إلى بكين في أبريل الماضي واتخاذه موقفاً مهادناً غير مسبوق. وفي المقابل، أرجأت إدارة ترامب تمرير حزمة تسليح لتايوان بقيمة 14 مليار دولار تفادياً لإثارة حفيظة بكين قبل القمة. وهنا، سيسعى الرئيس الصيني “شي جين بينغ” جاهداً لدفع ترامب نحو التخلي عن الثوابت الأميركية التاريخية تجاه تايوان، وإذا تمكن سيد البيت الأبيض من الإفلات من هذه المصيدة، فإن واشنطن ستتنفس الصعداء بلا شك.
ولا يقل الملف الاقتصادي خطورة، حيث يتمثل التحدي الثاني في قدرة واشنطن على الفصل التام بين قيود التصدير الأميركية الصارمة وبين التزامات الصين الشرائية. ففي حين يطمح ترامب إلى إبرام صفقات صينية ضخمة لشراء فول الصويا والطائرات وغيرها من السلع الأميركية -وهي وعود سابقة من “المرحلة الأولى” في ولايته الأولى لم تفِ بها بكين يوماً بشكل كامل- تسعى الصين في المقابل إلى مقايضة ذلك بضمان وصولها إلى التقنيات الأميركية المتقدمة كأشباه الموصلات ومحركات الطائرات. إن محاولة ربط المشتريات بنقل التكنولوجيا هي حقل ألغام يتوجب على الوفد الأميركي السير فيه بحذر شديد. ويقودنا هذا إلى التحدي الثالث المتمثل في ضرورة تبريد جبهة التوترات التجارية، فمنذ اللقاء الأخير بين ترامب وشي في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2025، تم تعليق الرسوم الجمركية الانتقامية لمدة اثني عشر شهراً، ونظراً للأضرار البالغة التي ألحقتها هذه الرسوم بكلا الطرفين، فإن تمديد الهدنة التجارية يصب في صميم مصالحهما المشتركة.
وعلى الصعيد الإنساني والسياسي، يبرز الملف الرابع كفرصة ذهبية لتحقيق مكاسب ملموسة، وهو ملف إطلاق سراح السجناء. قد تحمل هذه القمة مفاجآت سارة في هذا الصدد، لا سيما وأن ترامب أبدى استعداداً واضحاً لممارسة ضغوط حقيقية على نظيره الصيني للإفراج عن عدد من الشخصيات البارزة المحتجزة لدى بكين، وهو ملف يحظى بإجماع نادر من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة. أما الملف الخامس والأخير، فيتعلق بانتزاع تعهدات صينية أكثر صرامة وحسماً بشأن المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. فرغم الادعاءات الأميركية السابقة بوجود التزامات صينية، لا تزال بكين تفرض قيوداً مشددة، وتلزم الشركات الأميركية باستصدار تراخيص فردية لاستيراد هذه المواد الاستراتيجية دون وجود أي “ترخيص عام”. وفي حين تعتبر الصين هذا الملف ورقة ضغط استراتيجية، تسعى واشنطن جاهدة لتجريدها من هذا السلاح المؤثر.
في المحصلة، يمكن القول إن السيناريو الأمثل والأكثر تفاؤلاً للولايات المتحدة يكمن في خروج ترامب من بكين وقد نجح في احتواء أزمة تايوان، وحافظ على قيود التصدير التكنولوجية، وأرسى هدنة تجارية مستقرة، محققاً اختراقات محدودة ولكنها جوهرية في القضايا الثنائية، وعلى رأسها تأمين حرية السجناء. ورغم أن بلوغ هذه الأهداف ليس مستحيلاً، إلا أن الفشل فيها يبقى احتمالاً وارداً بقوة، لتبقى الساعات القادمة وحدها الكفيلة بكشف ما تخبئه دبلوماسية اللحظات الأخيرة.
