الإثنين, مايو 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل ينجح "جنرال المشاريع" في ترويض التنين الصيني؟.. بقلم لطفي الشناوي

هل ينجح “جنرال المشاريع” في ترويض التنين الصيني؟.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

في كواليس السياسة الإيرانية، يمكن فهم الكثير من التحركات الدبلوماسية عبر عدسة ما يمكن تسميته “براغماتية الضرورة”؛ وهي حالة تتجلى بوضوح كلما اشتد الخناق السياسي أو الاقتصادي على البلاد، حيث تتخلى طهران عن بعض أدبياتها لصالح مقاربات أكثر واقعية. في هذا السياق، يأتي تكليف محمد باقر قاليباف بملف العلاقات الإيرانية الصينية، وهو تكليف يحمل في طياته رسائل أعمق بكثير من مجرد تغيير للمبعوثين. فعلى مدار السنوات الماضية، تعاقب العديد من المسؤولين والكيانات على هذا الملف الاستراتيجي بهدف الارتقاء به من التعاون الروتيني إلى الشراكة الاستراتيجية المستدامة، غير أن تلك الجهود تعثرت لأسباب متباينة. واليوم، تبدو طهران في أمسّ الحاجة لإعادة صياغة هذه العلاقة، متأملة ألا يكون هذا التكليف مجرد خطوة تكتيكية عابرة تنتهي بانتهاء حالة الطوارئ، بل مساراً استراتيجياً حقيقياً.

لكن المعادلة لا تُحل في طهران وحدها، ففي بكين، لا تكفي النوايا الإيرانية لتحريك المياه الراكدة. فالصين، التي تدير سياستها الخارجية بعقلية شديدة المحافظة وتعتمد حصرياً على حسابات التكلفة والعائد، تنظر إلى إيران من زاوية مصالحها طويلة الأمد وموقع طهران في معادلات ما بعد الصراعات الحالية. بكين لا تمنح ثقتها أو استثماراتها لدول تتجه شرقاً فقط كرد فعل انفعالي على العقوبات الغربية أو بدافع المناكفة السياسية. إنها تبحث عن شركاء يمتلكون رؤية تنموية واضحة ومستقرة. وإذا ما استمرت طهران في تقديم علاقتها مع الصين على أنها مجرد بديل تكتيكي للغرب، فإن بكين ستعاملها بالمنطق المؤقت ذاته. لذا، تقع على عاتق قاليباف مهمة شاقة تتمثل في تغيير هذه الصورة، وإقناع القيادة الصينية بأن إيران خيار استراتيجي مستقر وموثوق.

التحدي الماثل أمام المبعوث الجديد لا يقتصر على الخارج، بل يمتد إلى الداخل الإيراني المعقد، حيث يمثل غياب السردية الموحدة تجاه الصين إحدى أبرز العقبات. فهناك تيار داخل النخبة السياسية الإيرانية يرى في التحالف مع الصين طوق نجاة استراتيجي، بينما ينظر تيار آخر بريبة وتوجس نحو هذا المسار. إن نجاح قاليباف في خلق إجماع داخلي، أو على الأقل تقليص حدة الانقسام حول الملف الصيني، سيعني أنه قطع فعلياً نصف الطريق. فالعلاقة مع بكين لم تعد مجرد ملف اقتصادي تجاري، بل تحولت تدريجياً إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي الإيراني وتوازن القوى الإقليمي، مما يجعل نجاحها أو فشلها مؤثراً مباشراً على مستقبل مكانة إيران في الإقليم.

من زاوية أخرى، قد يمتلك قاليباف ميزة نسبية مقارنة بأسلافه، وهي خلفيته التنفيذية وخبرته العميقة في إدارة المشاريع العمرانية والاقتصادية الضخمة. العقلية الصينية تميل دائماً للتفاهم مع “رجال الإنجاز” والمديرين القادرين على تحويل الرؤى إلى واقع عملياتي، أكثر من ميلها للسياسيين المنظرين. ومع ذلك، فإن هذه الميزة الفردية لن تكفي ما لم تُدعّم بمؤسساتية صارمة. إن إنجاح هذه المهمة يتطلب تشكيل لجنة رشيقة وعابرة للقطاعات، تمتلك مكاتب فاعلة بصلاحيات حقيقية في كل من طهران وبكين، لتتولى متابعة المشاريع والمفاوضات بشكل يومي واحترافي. بدون هذه الآلية التنفيذية، سيلقى هذا التكليف مصير المشاريع السابقة.

في النهاية، يقف مسار العلاقات الإيرانية الصينية أمام الاختبار الأصعب: العبور من ضفة “الوعود والاتفاقيات الورقية” إلى ضفة “التنفيذ الفعلي”. طهران تمتلك أدراجاً مكدسة بمذكرات التفاهم والبيانات المشتركة مع الصين، لكن ما يحسم مستقبل هذا التحالف اليوم هو القدرة على تحويل تلك الأوراق إلى استثمارات ملموسة، وبنية تحتية حقيقية، وشراكة تقف على أرض صلبة لا تهتز مع كل أزمة سياسية. مهمة قاليباف باختصار ليست توقيع المزيد من الأوراق، بل إقناع التنين الصيني بأن طهران جاهزة أخيراً للعمل.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات