الإثنين, مايو 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبنية الدبلوماسية السودانية بين السلام والحرب . السفير أنس الطيب الجيلاني

بنية الدبلوماسية السودانية بين السلام والحرب . السفير أنس الطيب الجيلاني

سودان تمورو

قامت الدبلوماسية السودانية منذ نشأتها الأولى على مرتكزات أساسية وأهداف وإرث ممتد في محيطها الإقليمي والدولي ومناطق إنتماءها الأفريقي والعربي والإسلامي، يسندها تاريخ ضارب في عمق التاريخ القديم والحديث وموقع جيو إستراتيجي مكنه من أن يلعب حلقة الوصل والإلتقاء بين العالمين العربي والأفريقي، وكذلك علاقات متجزرة وممتدة مع العالم الآسيوي وينتمي السودان بعضوية في تجمعات إقليمية ذات تأثير على مجريات السياسة الدولية فالسودان كما هو معلوم عضو بالأمم المتحدة والجامعة العربية والإتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الإيقاد وتجمع الساحل والصحراء واللجنة الإقتصادية لدول شرق وجنوب أفريقيا (COMESA) ، وفوق ذلك السودان كما هو معلوم عضو فاعل بمجموعة الـــــــ 77 والصين والتي تضم الدول النامية والأقل نمواً. وبالتالي فإن هذه القاعدة من العضوية الدولية والإقليمية تسمح له بالتفاعل الإيجابي مع العالم وقضاياه الراهنة والمتجددة. وتنطلق الدبلوماسية كذلك إستناداً على المواثيق الدولية والإقليمية وقواعد القانون الدولي وإحترام حقوق الإنسان وقواعد التقاضي الدولي بما فيها الوسائط القضائية والهيئات وأجهزة التحكيم الدولية.
كما تؤمن الدبلوماسية السودانية بمفهومي السلام والتنمية كمتلازمتين هامتين في بلورة مستقبل العلاقات الدبوماسية الخارجية والتعاون مع الدول على قاعدة إحترام السيادة وإنتاج سياسة حسن الجوار.
مرت الدبلوماسية السودانية عقب الإستقلال بكثير من التحديات، وساهمت الدبلوماسية السودانية في الحفاظ على مقدرات الدولة السودانية والمحافظة على السيادة في حالات السلم والحرب عبر تاريخ السودان.
فبمثلما يقع على عاتق الدبلوماسية في أزمنة الحرب دور أساسي في رسم ملامح السياسة الخارجية من خلال قيادتها للتعريف بالأزمة ودعم السيادة الوطنية عبر عملية الوساطة والتدخل الدبلوماسي وحث الأطراف للنزوع للحل السلمي ومبدأ التفاوض والدفاع كذلك عن القضايا الوطنية المختطفة بواسطة الأطراف الدولية والإقليمية، ومواجهة سيل المؤامرات وحرب السرديات بتوضيح الموقف الرسمي للدولة عبر البيانات والخطابات الدبلوماسية، فإنها كذلك يقع عليها دوراً كبيراً في مراحل السلم عبر تفعيل دور دبلوماسية التنمية وتبادل المنافع مع المجتمع الدولي والدول الصديقة والشقيقة. كما أن ممارسة الدبلوماسية الوطنية ليست حكراً على وزارة الخارجية وحدها وإنما تتكامل أدوار المؤسسات عبر مايعرف بالدبلوماسية الرئاسية أو عبر أجهزة المخابرات الخارجية والمؤسسات التي تعنى بقضايا الأمن القومي كما هو متعارف عليه في كثير من دول العالم، وإضافة للدبلوماسية في مسارها السياسي هناك ضروباً أخرى ومفاهيم جديدة للدبلوماسية، منها مايعرف بدبلوماسية الردع والدبلوماسية الناعمة عبر أدواتها المتعددة كالثقافة والفنون والرياضة ومنظمات المجتمع المدني، كما برزت مؤخراً ما يعرف بدبلوماسية الخطوط الحمراء وإقترنت هذه الدبلوماسية بمبدأ توازن القوى والضغوط التي تفرضها الأزمات والحصار الإقتصادي وسياسة المصالح الذاتية التي تهدف لتدمير البنيات الإقتصادية لبعض القوى المؤثرة إقليمياً أو تدمير البنيات الدفاعية لتحقيق عامل التوازن الإقليمي، ولعل أوضح مثالية لهذه الدبلوماسية هي التحذيرات الروسية لأوكرانيا من إندلاع الحرب في 24 فبراير 2022م بعدم التسامح مع أمنها القومي وإقتراب حلف الناتو مع حدودها الغربية، والمثال الآخر لدبلوماسية الخطوط الحمراء تلك التي أطلقها الرئيس الأمريكي ترامب لإيران بعدم السماح لها بإمتلاك سلاح نووي يهدد أمن الإقليم ومنطقة الشرق الأوسط.
كما إستخدمت الصين كذلك ومارست هذا النوع من الدبلوماسية حيث أطلقت كذلك تحذيراتها للولايات المتحدة وإستعدادها للجوء للحرب إن هي إقتربت من التأثير على قضية تايوان أو إعلان إستقلالها بأعتبار أن هذا الفعل يمس سيادة الصين لأن تايوان تعتبر جزءاً لا يتجزأ من السيادة الصينية على أراضي الجزيرة.
عانت الدبلوماسية السودانية في مختلف العهود السياسية لحالات حادة من الإستقطاب والتغييرات الهيكلية، وهزات بنيوية وتشريد للكوادر عبر ممارسات للأحزاب السياسية، بدأتها حكومة مايو بسيطرتها اليسارية مروراً بحكومة الإنقاذ في أول عهدها وأخيراً حكومة عبد الله حمدوك عبر لجنة إزالة التمكين، سيئة الذكر، ونتمنى أن تعي الأحزاب السودانية وتستفيد من الدروس والعبر التاريخية وتوقف هذه الممارسات التي أضرت بالخدمة المدنية السودانية.
هذه المعاناة لاشك أثرت على قدرة وزارة الخارجية في القيام بمهامها على الوجه الأكمل، ورغم هذه التحديات إلا أنها لم تلن لها قناة وواصلت مجهوداتها في الدفاع عن سيادة البلاد، وآخر هذه المعارك حرب الكرامة التي تشهدها البلاد حالياً والتي أبلت فيها الدبلوماسية السودانية بلاءاً حسناً في مختلف الجبهات فكانت مشاركة في أول جولة للمفاوضات في جدة في 11 مايو 2023م، وظلت حاضرة في المنابر الدولية والإقليمية عبر بعثاتها الدبلوماسية متعددة الأطراف في نيويورك وجنيف وعبر سفاراتها المنتشرة في قارات العالم، كما كانت معبراً عن صوت الدولة في كشف كافة الإنتهاكات والممارسات لمليشيا الدعم السريع عبر بياناتها الصحفية ومؤتمراتها التي شاركت فيها كافة السفارات السودانية بالخارج، ومازالت الدبلوماسية السودانية تضطلع بهذه المسئولية بنحو من الكفاءة والمهنية الدبلوماسية.
مقاربة الدبلوماسية والحرب:
يدور تساؤل حول علاقة الدبلوماسية والحرب هل هي متلازمة طردية أم أن هنالك علاقات بين هذين المفهومين. وأقول أن هنالك ثمة شبه وتداخل، فللدبلوماسية أهمية في مرحلة دخول الدولة في الصراع المسلح فمنذ بروز حركة التمرد في جنوب السودان في العام 1955م ومروراً بحرب الجنوب التي زاد أوارها في عهد الصادق المهدي في العام 1983م ومروراً بعهد الرئيس البشير وما تشهده البلاد في حرب الكرامة حالياً مع مليشيا الدعم السريع ظلت الدبلوماسية في كل هذه العهود هي خط الدفاع الأول للدفاع عن سيادة وكيان الدولة السودانية. تمارس الدبلوماسية أدواراً مقدرة في إحداث التوازن وتقوية الجبهة الداخلية ومقاومة السناريوهات الخارجية وتعظيم فرص مصالح الدولة الوطنية وحمايتها من التدخلات الخارجية، وتمارس الدبلوماسية كذلك بعض المفاهيم المستخدمة وبما يعرف بالدبلوماسية الوقائية (Preemptive diplomacy). فاللجوء للعنف وإستخدام الوسائل العسكرية متاح للدول بموجب ميثاق الأمم المتحدة في حالة الدفاع عن النفس وفشل الجهود الدبلوماسية والسياسية في نزع فتيل الأزمات بين الدول، والنزوع لإستخدام القوة وتحقيق ما عجزت عن تحقيقه المفاوضات الدبلوماسية.
وحتى عند نشوب النزاعات لا تيأس الدبلوماسية في ممارسة الوساطات والتجاوب مع الجهود الدولية والإقليمية ومبادرات الأصدقاء والأشقاء وربما أحياناً الجيران، حيث تسعى الدبلوماسية في وقت الحرب من إبداء المرونة وفتح الأبواب المغلقة لتقليل الخسائر البشرية والمادية.
ومن المقاربات الموجودة بين مفهومي الدبلوماسية والحرب هو تعيين الدول للعسكريين في السلك الدبلوماسي وأحياناً كوزراء للخارجية وهي ممارسة معمول بها في جميع دول العالم والسودان ليس إستثناءاً من هذه القاعدة، مما يعزز إرتباط الدبلوماسية بالعسكرية، ولا نكاد نجد في أية دولة من دول العالم لا يشتمل مجلس أمنها القومي أو الدفاعي عن ممثل للخارجية أو الدبلوماسية، ذلك لأن الدبلوماسية والعسكرية دعامتين أساسيتين لمفهوم الأمن القومي. فالدبلوماسية تسبق الحرب وعندما تستنفد أغراضها وتصل مرحلة الإغلاق (Dead Lock) يبدأ بعدها التلويح بإستخدام القوة العسكرية والعنف عوضاً عن الدبلوماسية والتفاوض لإيجاد الحلول السلمية، وهذا يذكرنا بالمقولة الشهيرة ” إذا أردت السلم فتهيأ للحرب” والتهيؤ يشمل الإستعداد المستمر ورفع القدرات والتسليح وتقوية البنية الإقتصادية للدولة.
وبهذه المحاولة من إيجاد مقاربة بين الدبلوماسية والحرب والتي تعددت أنماطها وحدودها وأشكالها من دبلوماسية المنظمات الدولية إلى دبلوماسية المؤتمرات الدولية ودبلوماسية القمة والدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الدفاعية والدبلوماسية الإقتصادية ودبلوماسية التنمية، يقول هنري كيسنجر في كتابه ” الدبلوماسية” من الطبيعي أن يظهر في كل قرن بلد يمتلك القوة والزخم الفكري لتشكيل النظام الدولي وفقاً لقيمه الخاصة، ففي القرن الثامن عشر نادت المملكة المتحدة بمبدأ ” توزان القوى” الذي كان مسيطراً على القارة الأوربية على مدى مائتي عام، وفي القرن التاسع عشر أعادت النمسا بناء الحلف الأوربي ثم فككته ألمانيا وأعادت تشكيل الدبلوماسية الأوربية . أما في القرن العشرين فسيطرت الولايات المتحدة بصورة حاسمة على العلاقات الدولية ونحو الختام في تقديري سيشهد العالم بعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران والتي إندلعت شرارتها في 28 فبراير 2026م تحالفات توازن جديد للقوى لن تتضح معالمه إلا بعد إنتهاء جولات التفاوض التي تلعب فيها باكستان دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران والتي بلا شك سترسم ملامح الإقليم والشرق الأوسط الجديد وربما ترسم كذلك النظام الدولي الجديد للعقد القادم على أنقاض النظام الدولي الجديد (New World Order) والذي تشكل في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وهجوم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن على مبنى التجارة الدولية بنيويورك هذا النظام الذي أنشأه الرئيس جورج بوش الإبن على قاعدة ” من ليس معنا فهو ضدنا”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات