الخميس, مايو 21, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبين كواليس السياسة ونبض الشارع تصريحات عمرو أديب تعيد تسليط الضوء على...

بين كواليس السياسة ونبض الشارع تصريحات عمرو أديب تعيد تسليط الضوء على “السلام البارد” في مصر .. موسى الفكى اسماعيل

 

سودان تمورو
أثارت التصريحات الأخيرة للإعلامي عمرو أديب في برنامجه “الحكاية” على شاشة “إم بي سي مصر” موجة عارمة من الجدل داخل إسرائيل. عبارة أديب الصريحة والمباشرة: “تظل عقيدتنا القتالية وعقيدتنا الإنسانية ضد إسرائيل.. وأنا لا أخشى شيئاً، أنا بقول لك اهو أنا ضد إسرائيل”، لم تمر مرور الكرام في تل أبيب.
ما أزعج الأوساط الإسرائيلية ليس الكلمات في حد ذاتها، بل جغرافية ومصدر الصدمة؛ فالعبارة لم تخرج من الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا من أزقة غزة المكلومة، ولا من منابر طهران، بل صُدّرت من القاهرة — أول عاصمة عربية وقّعت معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979. وتضاعف هذا الانزعاج لصدورها من إعلامي يُحسب على “التيار الإقليمي المعتدل” ويبث عبر شبكة تلفزيونية عربية كبرى، مما يعكس عمق العداء الشعبي الكامن خلف لافتات الدبلوماسية.
شهدت المواقف الشعبية المصرية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً وغير مسبوق ضد إسرائيل، مدفوعة بانهيار الأوضاع الإنسانية والعمليات العسكرية المكثفة في قطاع غزة والمنطقة. لم يعد الرفض الشعبي مجرد شعارات نخبوية، بل تحول إلى حراك جليّ يتجلى فى
المقاطعة الاقتصادية الشاملة اذ نجحت حملات المقاطعة الشعبية للمنتجات والشركات الداعمة أو المرتبطة بإسرائيل في تحقيق نسب نجاح قياسية داخل السوق المصرية، وباتت ثقافة راسخة لدى الأجيال الجديدة (الشباب والمراهقين)، وهو ما فاجأ الدوائر السياسية الإسرائيلية التي راهنت على عامل الوقت لنسيان القضية.
و لا تزال النقابات المصرية (الصحفيين، المحامين، الأطباء، والمهندسين) تطبق حظراً صارماً على أي شكل من أشكال التطبيع المهني أو الشخصي، ويُفصل من يخالف هذه القواعد فوراً.

شبكات التواصل الاجتماعي في مصر أصبحت ساحة يومية لإبراز الهوية العربية والتضامن مع القضية الفلسطينية، معتبرين أن الأمن القومي المصري مرتبط جذرياً بسلامة محيطه الجغرافي.
المفارقة الكبرى فى اختلاف الموقفين الرسمي والشعبي اذ تكشف هذه الضجة عن “المعادلة المعقدة” التي تحكم العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ قرابة نصف قرن، والتي يمكن تفكيكها إلى مسارين متوازيين لا يلتقيان:
الموقف الرسمي المصري برغماتي استراتيجي يلتزم بالمعاهدات الدولية والقنوات الدبلوماسية الرسمية، ويركز على دور مصر كـ “وسيط إقليمي” لا غنى عنه لإدارة الأزمات ووقف إطلاق النار.

الموقف الشعبي المصري عقائدي عاطفي يرى في إسرائيل خطراً استراتيجياً دائماً، ويرفض الاعتراف بالاحتلال من منطلق قومي وإنساني.
لغة الخطاب عند الجانب الرسمى تعتمد على التهدئة، ضبط النفس، والتحذير من “توسيع رقعة الصراع” وتأثيره على سيادة الحدود وحرية الملاحة.
اما فى الموقف الشعبى فهى لغة حادة وتعبئة مستمرة ترفض الاندماج الثقافي أو الاقتصادي، وتصنف إسرائيل كعدو تاريخي.
الدافع الأساسي للسلطة من موقفها من اسرائيل هو
الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، الالتزامات الدولية، وتجنب الانزلاق نحو حروب شاملة تنهك الاقتصاد.
اما الجموهر المصرى فينظر الى الروابط الدينية والقومية، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، والوفاء لإرث الشهداء في الحروب السابقة.
تصريحات عمرو أديب الأخيرة وضعت اليد على النبض الحقيقي لـ “العقيدة المصرية”. فبينما تحافظ الدولة على بروتوكولات السلام كضرورة استراتيجية لحماية حدودها وإدارة مصالحها السياسية، يبرهن الشارع المصري يومياً على أن التطبيع لم يجد يوماً طريقاً إلى عقول أو قلوب المصريين.
إن هذه الضجة الإسرائيلية تعكس خوفاً دفيناً من حقيقة واضحة: وهي أن أي تغيير في المشهد أو المعطيات الإقليمية سيكشف أن جدار السلام المعلق بين البلدين ليس سوى جدار دبلوماسي رقيق، يقف خلفه شعب بأكمله يرى في بوصلته التاريخية اتجاهاً واحداً لا يتغير.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات