الجمعة, مايو 22, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالصوفية في السودان.. القوة الناعمة في معركة السلطة

الصوفية في السودان.. القوة الناعمة في معركة السلطة

سودان تمورو:

ليس ثمة وطن عربي تنتشر فيه الحركة الصوفية بذلك الحضور الطاغي كما هو الحال في السودان. ففي كل زقاق وشارع، وفي كل بقعة من هذا البلد، تجد قباب الأضرحة البيضاء تطل على سماء الخرطوم وأم درمان، وتسمع أصداء المدائح النبوية تملأ الأرجاء من الإذاعة والتلفزيون وحتى سيارات الأجرة.

هذا الحضور ليس مجرد طقوس دينية أو ممارسات روحانية جامدة، بل هو نسيج اجتماعي معقد ومتجذر، تتداخل فيه الروحانية بالسياسة، ويصبح فيه الشيخ وسيطا روحيا يلجأ إليه حتى كبار المسؤولين ليقرأ لهم الفاتحة ويدعو لهم بالبركات.

ويقدر عدد أتباع الطرق الصوفية في السودان بأكثر من 40 طريقة، تضم ما يزيد على نصف سكان البلاد، وهي حقيقة وضعت الورقة الصوفية على طاولة كل من يسعى إلى سدة الحكم.

بعد تأكد قادة الطرق من سقوط البشير في أبريل/نيسان 2019، نزلت الطرق الصوفية بثقلها الشعبي إلى اعتصامات القيادة العامة، وأعلنت دعمها للتحول الديمقراطي

من “المسيد” إلى المجلس السيادي

تعود الجذور التاريخية لتداخل التصوف بالسياسة السودانية إلى قرون مضت، وتحديدا إلى منتصف القرن السادس عشر الميلادي في عهد سلطنة الفونج، التي رعت النشاط الصوفي ودعت زعماء التصوف من مصر والحجاز لزيارة السودان.

ومنذ ذلك الحين، لم تكن الصوفية مجرد “خلاوي” لتحفيظ القرآن أو “مسيد” لإدارة شؤون المريدين، بل كانت مؤسسة اجتماعية موازية تشكل وعي الناس وتوجه سلوكهم، وأصبحت فاعلا مؤثرا في المعادلة السياسية.

ويجسد هذا التداخل التاريخي الاستثنائي انخراط الطرق الصوفية في تفاصيل الحكم والصراع على السلطة، وقد برز ذلك بشكل واضح من خلال نشأة حزبين سياسيين شكلا عمود النظام السياسي السوداني في حقب مختلفة: حزب الأمة المرتبط بطريقة الأنصار “المهدية”، والحزب الاتحادي الديمقراطي المرتبط بالطريقة الختمية.

فهذان الحزبان، اللذان خرجا من رحم الصوفية ذاتها، ظلا لعقود طويلة يتقاسمان كعكة الحكم، ويعكسان صراعهما التاريخي على خريطة السياسة السودانية. أما الناخب الصوفي، فكان في كثير من الأحيان جنديا ينفذ ما يؤمر به لا أكثر.

دور الصوفية في الثورة السودانية.. بين دعم النظام ومساندة الاحتجاجات

مع اندلاع شرارة الثورة السودانية في ديسمبر/كانون الأول 2018، وجدت الطرق الصوفية نفسها أمام مفترق طرق حقيقي: بين دعم نظام عمر البشير، الذي كانت له علاقات مع بعض الطرق، أو الاصطفاف إلى جانب الشارع المحتج.

تباينت المواقف، ففي الوقت الذي سعت فيه بعض القيادات الصوفية إلى التمسك بولائها للنظام، انخرطت أعداد كبيرة من المريدين في صفوف المتظاهرين الذين ملؤوا شوارع الخرطوم.

وبعد تأكد قادة الطرق من سقوط البشير في أبريل/نيسان 2019، نزلت الطرق الصوفية بثقلها الشعبي إلى اعتصامات القيادة العامة، وأعلنت دعمها للتحول الديمقراطي.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الطريق ممهدا أمام القوى العسكرية الجديدة لاستمالة هذا التيار ذي الثقل الجماهيري.

يرى مراقبون أن موقع الصوفية كقوة ناعمة مؤثرة في المجتمع يجعلها مرشحة للعب دور رئيسي في أي جهود مستقبلية لإحلال السلام والمصالحة الوطنية

البرهان وحميدتي.. صراع السلطة

بعد الإطاحة بالبشير، سرعان ما انخرط قادة المرحلة الانتقالية في سباق محموم لكسب ود الطرق الصوفية والحصول على تأييدها. ففي 8 سبتمبر/أيلول 2020، التقى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان -الذي تنتمي عائلته إلى الطريقة الختمية- بالمجلس الأعلى للتصوف في مكتبه، وطلب منهم الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها.

وفي المقابل، لم يكن نائبه آنذاك، قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بعيدا عن هذا السباق. ففي مارس/آذار 2020، التقى حميدتي برئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني، أحد أبرز أقطاب الصوفية في السودان، في محاولة واضحة لاستمالة هذا التيار.

وبات واضحا أن المتصارعين على الحكم في السودان أدركوا أن الطرق الصوفية وأتباعها يمثلون “الورقة الرابحة” التي قد ترجح كفة أي طرف. وازداد هذا الأمر تعقيدا مع الحديث عن دعم خارجي لبعض الأطراف، حيث تشير بعض التحليلات إلى أن دولا إقليمية تدعم شبكات التصوف السياسي في المنطقة، قد تتدخل لدعم طرف على حساب آخر لخدمة إستراتيجياتها الإقليمية.

الصوفية في حرب 2023.. هل تحمل مفتاح السلام؟

في ظل الحرب المشتعلة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، يجد المكون الصوفي نفسه أمام واحد من أصعب اختباراته. وبينما يعد طرفا النزاع -الجيش السوداني وقوات الدعم السريع- ابنين للتيار الصوفي نفسه، حيث يستمد كل طرف جزءا من مواليه من البيئة الصوفية، فإن الطرق الصوفية ظلت تدعو إلى السلام وتحاول احتواء النزاع.

وقد قاد بعض المشايخ مبادرات لوقف إطلاق النار، وحققت نجاحات محدودة في بعض المناطق مثل مدينة الفاشر. ويرى مراقبون أن موقع الصوفية كقوة ناعمة مؤثرة في المجتمع يجعلها مرشحة للعب دور رئيسي في أي جهود مستقبلية لإحلال السلام والمصالحة الوطنية.

فبينما تتباين الطرق في مواقفها من الحرب- فالبعض يصفها بـ”العبثية”، والبعض الآخر يراها حربا بين جيش وابنه المتمرد- يبقى القاسم المشترك بينها قدرتها الكبيرة على الوصول إلى عمق المجتمع السوداني وتعبئته.

الخلاوي هي المؤسسة التعليمية نفسها، بينما المسيد هو الإطار الأوسع الذي يديرها وينظم شؤونها

خلاصة.. ورقة رابحة غير مضمونة

الصوفية في السودان ليست مجرد مكون ديني، بل هي شبكة نفوذ اجتماعي وسياسي عميقة، وحليف لا يستهان به في معادلة الحكم. وعلى مر التاريخ، تناوبت الحكومات على استقطاب هذا التيار القوي، واستخدمته لتثبيت شرعيتها وكسب القبول الشعبي.

وفي خضم الصراعات الحالية، يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح الطرق الصوفية في تحويل قوتها الجماهيرية إلى قوة ضغط حقيقية لوقف الحرب، أم ستظل أسيرة للانقسامات التي مزقت البلاد؟ في بلاد الأضرحة البيضاء، تبقى الصوفية حاضرة بقوة على المسرح السوداني، لكن الدور الذي ستؤديه في الفصول القادمة لا يزال مجهولا.

الخلاوي هي المؤسسة التعليمية نفسها، بينما المسيد هو الإطار الأوسع الذي يديرها وينظم شؤونها.

شبكة الجزيرة

عوض النقر بابكر محمد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات