الأحد, مايو 24, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيأبعد من النصر أو الهزيمة.. حقائق يقصيها الخطاب المناهض للسلاح .. علي...

أبعد من النصر أو الهزيمة.. حقائق يقصيها الخطاب المناهض للسلاح .. علي فواز

سودان تمورو

يعود الجدل حول النصر والهزيمة في كلّ مرة تنخرط فيها المقاومة في حرب ضدّ “إسرائيل”. غالباً ما يبتعد النقاش الصاخب والمتوتر حول هذا الموضوع من أيّ معايير علمية أو موضوعية رغم محاولات تلبّسه ذلك.

في حالات قليلة فقط، وضمن أطر محدودة، يتسم النقاش بطابع النزاهة الفكرية والحياد العلمي. حصل مثل هذا الأمر في إثر معركة “أولي البأس” وشمل أوساطاً يمكن تصنيفهم ضمن بيئة المقاومة. المهم هنا هو الغاية من ذلك النقاش.

في ما عدا ذلك، يتسم النقاش حول عمل المقاومة في لبنان ومدى فعّاليته، معظم الأحيان، بطابع كيديّ يغذّيه إعلام مُوجّه وخطاب شعبوي وغرائزي موتور. لا يعود الهدف في هذه الحالة هو الوصول إلى الحقيقة والبناء عليها، بقدر ما يستبطن نتيجة مُقرّرة سابقاً في ذهن المُحاور الذي لا يرى من نتائج المقاومة سوى الأكلاف.

عند هذا المستوى تتعطّل أدوات المنطق وتتحجّر الآراء مهما زُجّ من حجج وبراهين. تصبح الخلفيّات العصبية والتشبّثات الفكرية والتحيّزات السياسية والمصالح الشخصية والجماعية أقوى من العقل وعصيّة على المُحاججة والإقناع.

تموز 2006.. “إسرائيل” لم تُهزم
حصل مثل هذا النقاش خلال حرب تموز 2006 واستمرّ لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب. اعترفت “إسرائيل” رسمياً حينها بالإخفاق في نواحٍ كثيرة استناداً إلى تقرير فينوغراد. لكنّ فريقاً لبنانياً أصرّ حتى النفس الأخير على العكس.

أكثر من ذلك، بقي جزء ممن يتحمّسون اليوم ضدّ المقاومة ويتماهون مع “إسرائيل”، يصرّ في خطابه السياسي والشعبي على أنّ انسحاب “إسرائيل” من جنوبي لبنان والبقاع الغربي عام 2000 لم يكن بفضل جهود المقاومة وتراكم الخسائر الإسرائيلية، إنما جاء نتيجة حسابات داخلية في جبهة العدو.

لا يرمي ما تقدّم إلى تنزيه أيّ طرف من الأطراف اللبنانيين تاريخاً وحاضراً عن الخطأ ولا إحاطة أيّ فكرة بالقدسيّة التي تحول دون مقاربتها أو نقاشها، ولا عصمة أيّ منطق من الخلل والزلل، بما في ذلك الأحزاب والقوى التي تمثّل المقاومة وترفع لواءها. لكن ينبغي الاتفاق على أرضيّة مشتركة ومعايير واضحة في أيّ نقاش: هل نحتكم إلى المنطق والعقل، أم المصلحة المشتركة (الوطنية في هذه الحالة) أم أمور أخرى؟

مع الأخذ بعين الاعتبار جملة من الالتباسات والشبهات التي يمكن تفّهمها ونقاشها، وفق منطق الحوار، لدى الجمهور غير المتحمّس للمقاومة حالياً، وهو جمهور غير ثابت وغير متجانس بالضرورة بقدر ما يخضع إلى تقلّبات وعوامل وأمزجة متغيّرة، يبقى صحيحاً أنّ هناك جماعات ثابتة على موقف عدائي متجذّر من فكرة المقاومة بمعزل عن الأطراف والأحزاب التي حملت وتحمل لواءها تاريخياً. في هذه الأوساط تحديداً، تتبدّل العناوين والسرديات لكنّ الغاية ثابتة: لا للمقاومة ضدّ “إسرائيل”.

تجاهل حقائق الصراع وسياقه وخصائصه
مشكلة أصحاب المواقف المناهضة للمقاومة، على تنوّعهم وتمايزهم، لا تكمن في أنّ كلّ ما يقولونه خاطئ بالضرورة، وفي أنّ كلّ الهواجس التي يطرحونها لا يمكن تفهّمها ونقاشها، بل على العكس؛ إنما المعضلة الأساسية في خطابهم نابعة من غياب الحلول المنطقية والعقلانية والعملية التي يمكن أن تقنع أصحاب الأرض والقضية وبقيّة اللبنانيين المؤمنين بخيار المقاومة، بأنّ هناك بديلاً موثوقاً ومستداماً وفعّالاً يمكن أن يحلّ بدل السلاح والقوة العسكرية في وجه المخاطر الإسرائيلية، سواء انضوى هذا السلاح في إطار استراتيجية دفاعية ترعاها الدولة أو في إطار حركة شعبية.

وعندما يضطرّ مناهضو فكرة المقاومة بعد إلحاح إلى تقديم جواب أو تصوّر، يأتي باهتاً وهزيلاً إلى حدّ “البكاء عند الأميركيين”.

من هنا ينحو الخطاب الإقصائي لفكرة امتلاك مقدّرات القوة العسكرية الرادعة للاحتلال إلى تجاهل حقائق الصراع وسياقه ومنشئه، والتصويب بدلاً من ذلك على أمور، قد يكون بعضها صحيحاً، لكنّ الهدف تضخيمه في سبيل حرف النقاش وتمييع الحقائق والهروب من الامتثال إلى سطوع الشمس في قضية السلاح.

تبرز على الأقل 3 مرتكزات في شرعة العمل المسلّح، أو تبنّي استراتيجية دفاعية حقيقية وليست وهمية، في سياق التصدّي لخطر المشروع الصهيوني المتاخم جغرافياً لجنوبي لبنان. تتجاوز هذه المرتكزات الحقّ القانوني المكفول في الشرائع والدساتير حول شرعيّة المقاومة، والحقّ الإنساني المكتسب فطرياً في الدفاع عن النفس، وتطرح 3 مجموعات من الوقائع لا يمكن إنكارها إلا من جاهل أو عنيد:

أولاً: طبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني والإحلالي والتوسّعي والعنصري، وطبيعة الحكومة التي تقود المشروع الصهيوني اليوم والتي يُقال إنها الأكثر تطرّفاً في تاريخ “إسرائيل” معطوفاً عليها طبيعة المجتمع الصهيوني الذي ينحو في السنوات الأخيرة أكثر نحو اليمين، إضافة إلى طبيعة العلاقة الخاصة التي تحكم “إسرائيل” وواشنطن حتى اليوم.

ثانياً: تاريخ الأطماع الإسرائيلية في لبنان والاعتداءات عليه، ليس فقط مروراً بالاحتلال الذي اندحر عام 2000 تحت ضغط القوة العسكرية، ولا أيضاً بحرب تموز 2006 التي أرادتها كوندوليزا رايس مخاضاً لولادة مشروع “الشرق الأوسط الجديد” المرادف لمشروع الهيمنة الإسرائيلية الحاضر اليوم تحت عنوان “إسرائيل الكبرى”، بل قبل ذلك بكثير من خلال ما تظهره الوثائق حول مطالبات إسرائيلية منذ نشوء الكيان بحدود أوسع، تصل مرة إلى نهر الليطاني وأخرى إلى نهر الأولي.

ثالثاً: إذا كان كلّ ذلك الذي يتسع لكثير من الأدلة والبراهين والتفاصيل التي تضيق بها هذه المساحة غير كافٍ لإثبات المخاطر والأطماع الإسرائيلية التي تستوجب التسلّح بكلّ مقدّرات القوة للجمها أو تقليل مفاعيلها بالحدّ الأدنى، فإنّ ما تظهره الوقائع والحقائق من تصريحات ومواقف وإجراءات على الأرض وأمام أعيننا، لا تترك مجالاً للشكّ.

يحدث أمام أعيننا
يبدو أنّ تجربة مسار أوسلو لا تكفي للاتعاظ أمام معارضي المقاومة وداعمي خيار الاستسلام. هل يحدث أيّ فارق لدى هؤلاء استحضار كلّ ما يجري اليوم على أرض فلسطين المحتلة من توسيع للاستيطان وضمّ للأراض ونقض للمواثيق والاتفاقات التي جرت برعاية أميركا وضمانتها مع ما يرافق تلك الإجراءات من تشريعات داخل الكنيست (قانون القومية الذي يمهّد لطرد فلسطينيي الـ48 مستقبلاً، وقرار منع إقامة دولة فلسطينية، ومشروع قانون إلغاء اتفاقات أوسلو..) وانعكاسات ذلك على حقّ العودة الذي يتأثّر فيه لبنان.. أم يجب التذكير بتصريحات السفير الأميركي في “إسرائيل” مايك هاكابي حول “الحقّ التوراتي” لـ “إسرائيل” في أراضٍ واسعة بالشرق الأوسط؟

هل يكفي ذلك أم لا بدّ من استحضار تأييد نتنياهو الصريح لرؤية “إسرائيل الكبرى”، وتأكيده أنه يرى نفسه في “مهمّة تاريخية وروحانية” لتحقيق هذا المشروع الصهيوني التوسّعي؟

هل ندفن رأسنا في الرمال ونركّز فقط على تصريح وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر حينما أعلن لأغراض تتعلّق برهانات على مسار التفاوض المباشر مع لبنان، أنّ “إسرائيل” ليست لديها أيّ أطماع إقليمية أو نيّات للاستعمار والاستيلاء على أراضٍ في لبنان، ونتجاهل خطاب زميله في الحكومة إيتمار بن غفير الذي أكّد قائلاً: “نريد الاستيطان في لبنان ولدينا الخطط الصحيحة لذلك، ويجب ألّا نخاف أمام كلّ الضغوط”، رابطاً هذا المشروع الاستعماري بخطط حكومية تهدف إلى تشجيع التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية؟

ليس ذلك سوى عيّنة بسيطة من عشرات الأدلة القطعية التي تتحدّى الضمانات الأميركية ومعالجة المخاطر الوجودية. من ذلك ما نشره مايكل فروند، الذي شغل منصب نائب مدير الاتصالات والمستشار السابق لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بين عامي 1996 و1999.

يقول في مقال منشور على صفحات “يديعوت أحرنوت” إنّ الحدود الحالية المعترف بها دولياً بين لبنان و”إسرائيل” هي “حدود اصطناعية تماماً”، زاعماً أنّ من رسمها هم “المستعمرون الأوروبيون بشكل نزوي وعشوائي”. يزعم في المقال تبعيّة صيدا وجنوبي لبنان وصولاً إلى نهر الأولي إلى “إسرائيل”: “من الناحية التاريخية، فإنّ جنوب لبنان هو في الواقع شمال إسرائيل، وجذور الشعب اليهودي في هذه المنطقة تمتد عميقاً”.

نموذج مصر والأردن للقول إنّ خيار السلام مجدٍ
في سبيل تجنّب الاصطدام بأسئلة الواقع اتجّه الخطاب المعارض للمقاومة في الأعوام الفائتة نحو الإحالة إلى تجربتي الأردن ومصر. استخدم هذا الدليل في السابق من أجل التمثّل بحال “الاستقرار” الناجم عن مسار التفاوض والسلام مع “إسرائيل” على اعتبار أنّ فلسطين، وفق منطق نزع السلاح، لها خصوصيتها في قلب المشروع الصهيوني، وحال لبنان يشبه أكثر حالتي مصر والأردن باعتبارها دول طوق. لكنّ الخطاب الذي كان يرتكز على هذ النموذجين لم يكن يتوقّع أن يأتي اليوم الذي تقوّضه “إسرائيل” نفسها.

أولاً ليس النموذج الأردني مثالاً يحتذى في السيادة وعدم الارتهان، حتى وفق المنظور الانعزالي الذي يدعو إلى عزل النظم والنأي بنفسها عن الصراع.

لكن لنتجاوز ذلك، ولنتجاوز أيضاً الأزمة الدبلوماسية التي أثارها وزير المالية في الحكومة الإسرائيلية بتسلئيل شموتريتش عندما وقف خلف منصة مغطاة بـ خريطة لـ “إسرائيل الكبرى” تضمّ كامل حدود الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة كجزء من “الدولة” العبرية، ولنتجاوز ما قاله سموترتش لاحقاً حول أنّ “حدود القدس” يجب أن تمتدّ لتصل إلى دمشق، وإعلانه الصريح أنّ على “إسرائيل” ابتلاع الدولة الأردنية بالكامل.

دعونا لا نقف عند موقفه القاضي بأنّ نمو “إسرائيل” الجغرافي التدريجي لضمّ أجزاء من الأردن وسوريا ومصر والعراق يمثّل “تحقيقاً لنبوءات دينية”.. لنتجاوز ذلك ونتحدّث عمّا تقوله النخب الأردنية اليوم بما فيها شخصيات من داخل النظام.

مروان المعشر أحد هؤلاء، وهو شغل سابقاً عدداً من المناصب في الحكومات الأردنية المتعاقبة، إذ عمل نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية ووزيراً للإعلام عدا عن أنه كان أول سفير للأردن في “إسرائيل”. يقول في مقابلة حديثة إنّ النظام الحاكم في “إسرائيل” يرفع الآن علناً شعار “من النهر إلى البحر وما بعده”، ويشير إلى أنّ الأوساط الرسمية الأردنية باتت تستشعر خطراً حقيقياً يمسّ سيادتها، محذّراً من أنّ سعي “إسرائيل” لضمّ الضفة الغربية سيؤدّي حتماً إلى محاولة تهجير قسري للفلسطينيين نحو الأردن لتصفية القضية، وهو ما يمثّل برأيه خرقاً صريحاً لمعاهدة “وادي عربة” وتهديداً وجودياً للأمن القومي الأردني.

أكثر من ذلك، ينتقد المعشر الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، ويدعو الدول العربية إلى بناء جبهات داخلية قوية، وتفعيل مؤسسات الحوكمة الرشيدة، وإنشاء “تكامل اقتصادي وسياسي مشترك” لمواجهة الخطرين الإسرائيلي والإيراني معاً.

حروب الآخرين
كي لا يطول الكلام، تشبه الحالة المصرية الحالة الأردنية عندما يتعلّق الأمر باستراتيجية “إسرائيل” التوسّعية. يعمل المشروع الصهيوني تاريخياً على تجميد الجبهات وفصلها وتحييدها حتى تتهيّأ الظروف المناسبة التي تمكّنه من القضم والتوسّع.

بُنيت خطيئة أنور السادات على مقولة أنّ “أميركا تمتلك 99% من أوراق اللعبة” (وفي صياغات أخرى “من أوراق الحلّ”) والتي مهّدت لانقلاب استراتيجي في المنطقة لم يوازِه إلا انتصار الثورة في إيران، لكنّ القاهرة تقف اليوم أمام تحدّيات وجودية تطوّقها بتخطيط إسرائيلي وأميركي، ليس آخرها ملف النيل وسدّ النهضة، من دون أن نتجاهل أنّ الحدود التوراتية للمشروع الصهيوني تمتدّ من النيل إلى الفرات.

يتجاهل الخطاب المناوئ للمقاومة هذه الوقائع والشواهد ويحرّف النقاش الحقيقي عنها باعتبارها تحدّيات تستوجب رؤية وأجوبة من قبل السلطة والأحزاب والفعّاليات السياسية والفكرية في البلد، وتركّز على عناوين متغيّرة ومتبدّلة وإشكاليات تدغدغ العواطف والغرائز: حروب الآخرين على أرضنا، تعبنا من الحروب، ثقافة الحياة مقابل ثقافة الموت، دويلة داخل الدولة، خطف قرار الحرب والسلم، فائض القوة.

 

صحافي من أسرة الميادين

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات