سودان تمورو
في مايو 2026، ومع توالي زيارات قادة العالم إلى بكين، لا سيما الزيارة اللافتة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتي سبقتها بوقت قصير زيارة الرئيس الأميركي، تبدو العاصمة الصينية وكأنها تُنصّب نفسها مركزاً للثقل الجيوسياسي للنظام الدولي الجديد. هذا التوافد المتسارع يعكس بوضوح انزياح ميزان القوى العالمي نحو الشرق، حيث تلعب بكين دور “ضابط الإيقاع” ببراعة، محاولةً الحفاظ على استقرارها الإستراتيجي وسط الفوضى العالمية المتلاطمة، دون تقديم تنازلات جوهرية. وفي هذا السياق، جاء لقاء بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ، والذي تُوج بتمديد معاهدة الصداقة والتعاون الشامل، ليرسخ شراكة غير متكافئة تميل كفتها بوضوح لصالح التنين الصيني، لكنها تظل مستقرة وتحمل تداعيات عميقة على بنية النظام العالمي وديناميكيات المنطقة الأوراسية.
ولعل المحور الأساسي الذي ارتكزت عليه محادثات الزعيمين يتمثل في مجابهة هيكل القوة الذي يتزعمه الغرب، والدفع الحثيث نحو تكريس عالم متعدد الأقطاب. وقد جاء البيان المشترك ليصوّب سهامه صراحة نحو الأحادية القطبية والسياسات الغربية المربكة للنظام الدولي، مشدداً على ضرورة تعميق التنسيق داخل أروقة المؤسسات البديلة كـ”بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون. تسعى موسكو وبكين من خلال هذا التوجه إلى استقطاب دول الجنوب العالمي لبناء مظلة أكثر عدالة لما بعد الحرب الباردة. غير أن قراءة متأنية لهذا التقارب تكشف أنه لا ينبع من تطابق أيديولوجي مطلق، بل هو أقرب إلى تنسيق براغماتي تفرضه الضرورة لاحتواء الضغوط الغربية الممنهجة.
على الصعيد الاقتصادي، تبدو البراغماتية الصينية في أبهى صورها؛ ففي حين تتجنب بكين بحذر إستراتيجي أي ارتهان عميق، وصلت تبعية روسيا للسوق والتكنولوجيا الصينية إلى مستويات غير مسبوقة. ويتجلى هذا التفاوت الصارخ في استمرار الجمود الذي يكتنف مفاوضات خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا 2”. فبينما تصر بكين على شراء الغاز بأسعار مدعمة تقارب أسعارها المحلية (ما بين 120 إلى 150 دولاراً)، تبحث روسيا، المأزومة بفقدان السوق الأوروبية، عن بديل يضمن لها صيغة تسعير مشابهة لخط “قوة سيبيريا 1”. في المقابل، تفضل الصين تنويع سلة طاقاتها واستغلال حاجة موسكو الماسة لتعظيم مكاسبها الاقتصادية.
ورغم ذلك التباين، فإن الأزمات المشتعلة، كالتوترات في الشرق الأوسط والتهديدات التي تحيط بالممرات الملاحية الحيوية كمضيق هرمز، ضاعفت من القيمة الإستراتيجية لمسارات الترانزيت البرية الروسية بالنسبة للأمن القومي الصيني. فالشبكات الحديدية وخطوط الأنابيب الأوراسية تُمثل ملاذاً آمناً لسلاسل التوريد الصينية تحسباً لأي خنق بحري محتمل. يتزامن ذلك مع تسارع جهود البلدين للالتفاف على الهيمنة المالية الغربية عبر التوسع في استخدام العملات المحلية والعملات المشفرة في التسويات التجارية، في خطوة تعكس عزماً جاداً لبناء جدار حماية اقتصادي ضد سلاح العقوبات.
وفي الطبقات الأكثر عمقاً لهذا التحالف، يشهد التعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين تنامياً ملحوظاً، بدءاً من الدعم التكنولوجي الصيني مزدوج الاستخدام للمجهود العسكري الروسي، وصولاً إلى التدريبات التكتيكية في مجالات الحرب الإلكترونية والمسيّرات. ولم يكن تزامن رحلة بوتين إلى بكين مع مناورات واسعة للقوات الصاروخية والنووية الروسية سوى رسالة ردع واضحة. إلا أن شبح انعدام الثقة التاريخي لا يزال يخيم على سماء الجارين؛ فالهواجس الجيوسياسية، والخشية المتبادلة من الاختراق الاستخباراتي، فضلاً عن المخاوف الديموغرافية والحدودية، تؤكد أن هذه الشراكة في أرض الواقع مقيدة بأسوار صارمة من المصالح الوطنية الصرفة.
وما يدعو للتأمل في الدبلوماسية الصينية هو توقيت قمة “بوتين-شي”، التي جاءت في أعقاب استضافة بكين للرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذه الجدولة الدقيقة تكشف عن استراتيجية صينية تسعى لضبط إيقاع التنافس مع واشنطن؛ حيث تدير بكين علاقتها مع أميركا وفق نموذج “صَفْقَوي” واقتصادي بحت، بينما تدير شراكتها مع روسيا بنهج هيكلي وأمني. ففي زيارة ترامب، لجأت بكين إلى إرضاء نزعته الاستعراضية بحفاوة بالغة ومراسم لافتة شملت تشغيل أغنيته الانتخابية، وعقد صفقات تجارية ضخمة لضمان استقرار العلاقة، مع توجيه تحذيرات حازمة بشأن تايوان. أما زيارة بوتين، فقد خلت من الصخب الاستعراضي واتسمت بطابع إستراتيجي عميق لتثبيت تحالف جيوسياسي طويل الأمد ضد الهيمنة الأميركية.
خلاصة القول، إن لقاء مايو 2026 كرس شراكة غير متكافئة ولكنها مرنة. وفي المدى المنظور، ستتحول روسيا بصورة متزايدة إلى مجرد خزان للطاقة والمواد الخام يغذي آلة النمو الصينية. وبكين، المستفيدة من هذا الوضع التفاوضي المريح، ستواصل دعمها غير المباشر للكرملين لمنع انهياره، إذ تدرك أن سقوط موسكو سيجعل أوراسيا مكشوفة أمام الغرب.
لكنها في الوقت ذاته، ستحرص على إبقاء شعرة معاوية مع الغرب لتجنب صدام مباشر ومكلف. إن هذا النمط من التحالف، ورغم افتقاره للتطابق الأيديولوجي المطلق، يعيد هندسة البنية الأمنية والاقتصادية لأوراسيا، ويضع الهيمنة الغربية أمام تحدٍ صلب وأهداف مشتركة لا يمكن الاستهانة بها.
