سودان تمورو
البداهة ليست أمراً مسلماً فيه دائماً. في الأدبيات الفلسفية معنى يفيد أن من أصعب الإشكالات بيان الواضحات. قد تصادف شخصاً مقتنعاً أن إيران و”إسرائيل” حليفان. هذا واقعي وحقيقي وليس مبالغة. بعد ذلك، تقع حرب الـ12 يوماً على إيران ثم تليها الحرب الحالية ولا تتمكن من إقناع هذا الشخص بتغيير رأيه. المسألة هنا، كما في كثير من الحالات المشابهة، لا تعود إلى ضعف في الثقافة أو في مستوى الوعي والذكاء، بل إلى أمر آخر يجد طريقه في هذا الطرح.
لا الشمس طالعة ولا الناس قاشعة
تُستعاد محطات وأمثلة كثيرة حينما تُقلّب تاريخ الجدل البيزنطي في المنطقة. واحدة منها الجدال الذي كان ينفي البعد الجيوسياسي عن النزاع القائم في سوريا قبل سقوط نظام الأسد، وما أعقب ذلك السقوط من سرديات روّجت أن طريق القدس باتت أقرب.
من ذلك أيضاً الحملات والتحامل اللذان رافقا إسناد المقاومة اللبنانية لأهل غزة من قبل القاعدين والمنافقين واستثناء كل ما عداها، من أنظمة وشعوب وحركات، من أي اتهام أو تقصير.
تُشبه تلك السجالات في نواح كثيرة المناظرات العقيمة المفروضة اليوم على الرأي العام في لبنان حول المقاومة. لا يعني ذلك أن بيئة المقاومة معصومة دائماً من هذه اللوثة الفكرية، ولا أن بيئتها وأنصارها وأطرها ومحورها مُنزهة عن أي نقد أو خطأ، ولا يعني ذلك بطبيعة الحال إقفال النقاش على يأس لا ينسجم مع رأي عام واسع ومتنوّع يتعدى بعده اللبناني، ويشتمل على عقول منفتحة، ولا يرمي أخيراً إلى إضفاء الحرم والقداسة على إمكان مناقشة أي فكرة أو توجّه.
كل ما في الأمر أنه يُقارب المقاومة بعيداً من الشوائب والتفاصيل، من ناحية المفهوم والإرادة باعتبارها خياراً لا بديل له في ظل المخاطر الوجودية الماثلة والتهديدات الإسرائيلية القائمة. لا يدور الحديث هنا عن القضايا الملتبسة ولا عن الحقيقة النسبية إنما عن مسائل لامست وضوح الشمس وبلغ منطق تأكيدها وإثباتها حد الإشباع إلى درجة أنه لم يعد هناك المزيد ليُقال.
يوفّر ما جاء في مقالين سابقين على التوالي الكثير من التفاصيل والمقدمات في خدمة الموضوع. يمكن مجادلة أهل المقاومة وأنصارها في كثير من الأمور، لكن المشكلة القائمة اليوم في الجدال حول جدوى المقاومة وكلفة غيابها لا تتصل بضعف الأدلة والبراهين ولا بأدوات المنطق.
هل يمكن التعويل مثلاً على أي نقاش علمي وموضوعي يقود إلى مساحة مشتركة مع عقول ما زالت ترى أن المقاومة هُزمت في حرب تموز 2006؟ وأن التحرير عام 2000 لم يكن بفضل جهودها؟ هذا التيار ومن انضم إليه حديثاً من المعارضين الجدد لنهج التصدي لـ”إسرائيل” يتغافلون عما تحققه المقاومة اليوم من إنجازات ويرون فقط الدمار والركام. مهما قُدّم من أدلة ومن براهين سوف يصرّون على أن يروا الكلفة أعلى من الجدوى.
لكن الأمر رغم ما ينطوي عليه في أحيان كثيرة من إثارة للغيظ، ليس فيه ما يخالف طبيعة النفس البشرية: القضايا جميعها مهما بلغت درجة وضوحها لا تستتبع بالضرورة مواقف تنسجم معها. في هذا السياق لا “تحصيل حاصل” كما درجت الألسنة على القول.
نجاح الإقناع لا يتوقف على قوة الحجة
تُقارب الأمثال الشعبية مثل هذه الحالات، وغيرها من الحالات الإنسانية، ببلاغة تجعلها تستحق الرواج جيلاً بعد جيل. تُختزل هذه الحالة في المثل اللبناني الشائع “عنزة ولو طارت” للدلالة على العناد في الرأي والتحجّر الفكري مهما بلغ المنطق من قوة الحجة والدليل. في الحقل المعرفي والفلسفي هذه الحالات لها مرجعيتها الفكرية:
إذا حاولت أن تقنع شخصاً بواسطة الحجة والدليل بفكرة وجيهة ولم يقتنع، فذلك لا يعود إلى كونه لم يفهم، بل بالأحرى إلى أنه لا يريد أن يفهم. هنا الإرادة تعلو على العقل.
يقدّم الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788-1860) نموذجاً ثورياً في فهم العلاقة بين الإرادة والعقل. الإرادة تحول دون الاقتناع العقلي، إذ تُهيج الأعصاب وتعارض الأدلة المنطقية إذا خالفت رغباتها، ما يجعل إقناع الشخص بما يناقض إرادته شبه مستحيل. إذا فشل الإقناع بعد محاولة طويلة، فذلك لأن إرادته في عدم الاقتناع تحكمت به، ويحتاج الأمر إلى تغيير الإرادة نفسها. بالنسبة إلى شوبنهاور العقل ليس هو القائد، بل هو مجرد خادم بسيط للإرادة: نحن لا نريد الشيء لأننا وجدنا سبباً له، بل نجد سبباً لأننا نريده أصلاً.
يضع شوبنهاور هنا قاعدة نفسية عملية: نجاح الإقناع لا يتوقف على قوة الحجة بقدر ما يتوقف على توافقها مع إرادة المتلقي. فإذا كانت الإرادة معارضة، تصبح الحجج عاجزة مهما بلغت قوتها، وإذا كانت مؤيدة، تصبح أضعف الحجج مؤثرة. هذا ما يفسر ظاهرة التعصب الفكري والمعتقدات الخاطئة رغم تراكم الأدلة الدامغة ضدها.
العناد الفكري تبعاً لذلك ليس ضعفاً في الاستدلال، بل هو قوة إرادة ترفض الاستسلام. فالشخص العنيد يرفض تغيير رأيه ليس لأنه لا يرى خطأه أو لأنه لم يقتنع، بل لأن تغيير الرأي يعني هزيمة لإرادته. هذا ما يجعل الجدال مع العنيد مستحيلاً.
ظاهرة التعصّب والعناد في القرآن
نموذج شوبنهاور في فهم العلاقة بين الإرادة والعقل يختلف عن التقليد الفلسفي السائد قبله الذي مثله على سبيل المثال إيمانويل كانط (1724-1804). في قضية العقل والإرادة يرى الأخير أن (العقل العملي) هو الذي يحدد الإرادة الأخلاقية، فالإرادة الخيرة هي تلك التي تتبع الواجب الذي يمليه العقل، وليس التي تتبع الميول أو الرغبات.
في إطار كانطي، العقل ليس أداة في خدمة الإرادة، بل هو المشرع الأعلى الذي تتبعه الإرادة الطيبة طواعية. فالإنسان، بما أنه كائن عاقل، يمكنه أن يتجاوز رغباته المباشرة وأن يختار ما يمليه عليه العقل العملي. يكمن جوهر الأخلاق الكانطية في الاستقلالية حيث يشرع العقل للذات قوانينها.
المنظور الديني لا يبتعد تماماً من فكرة شوبنهاور لناحية توصيف العناد والعصبية، ولا من فكرة كانط في إعلاء العقل. في القرآن الكريم وردت آيات كثيرة تدلّ على مسألة التشبثّ بالرأي والتعصّب بعيداً من منطق الحق أو الخير أو الاحتكام إلى العقل والوجدان. من ذلك التقليد الأعمى للآباء والتعصب لتراث الأجداد: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” (البقرة: 170).
أيضاً الاستكبار رغم وضوح الحق والعناد الناتج عن الكبرياء: “وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ” (النمل: 14). تصف الآية حال فرعون وقومه الذين عرفوا الحق في قلوبهم (استيقنتها أنفسهم) لكنهم جحدوه عناداً واستكباراً، وليس عن جهل.
أما الآية التالية فتصف التعصب الفكري العملي بحيث يتم استخدام الحجج الباطلة لغرض واحد هو إبطال الحق، وليس الوصول إليه: “وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ” (الكهف: 56).
يصف القرآن في أكثر من معرض أن التعصب والعناد ليس سببه ضعف العقل أو الجهل، بل هو مرض في الإرادة يجعل الإنسان “أصمّ” عن سماع الحق، “أبكم” عن النطق به، “أعمى” عن رؤية دلالاته مع أن أعضاءه السليمة تعمل. وهذا يتطابق تماماً مع فكرة شوبنهاور أن العقل مجرد خادم للإرادة؛ فإذا أرادت الإرادة ألا تقتنع، جعلت العقل لا يسمع ولا يرى ولا ينطق بالحق.
جاء في سورة البقرة: “صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ” (الآية 18)؛ وفي أخرى: “وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ” (سورة البقرة، الآية 171)؛ وأيضاً: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ” (سورة هود، الآيات 21-22).
هذه الآيات ليست مجرد وصف طبي (صمم، بكَم، عمى)، بل هي استعارة للحالة الإنسانية عندما تتمرد الإرادة على العقل. الصمم والبكم والعمي في هذه الآيات ليست نقصاً في الأعضاء أو تشوها في عملها، بل هو حالة نفسية إرادية نتيجة الإصرار والمكابرة والتعصّب.
هذه الآيات تؤكد أن ظاهرة التعصب والعناد الفكري ليست وليدة العصر الحديث، بل هي صفات إنسانية ثابتة، يًحللها القرآن غالباً على أنها لا تنبع من الجهل، بل من الإرادة المتمردة التي ترفض الخضوع للحق، وهذا يتسق تماماً مع تحليل شوبنهاور النفسي المذكور آنفاً.
الإنسان لا يرفض الحقيقة دائماً لأنه يجهلها
لكن في الرؤية الإسلامية، العقل والإرادة ليسا في صراع هرمي يتسم بمن يسيطر على الآخر، بل هما في تكامل عضوي. العقل أداة للهداية والتبصّر، والإرادة هي محرك الاختيار والمسؤولية. العقل يضيء الطريق، لكن الإرادة الحرة هي التي تختار. فالعقل بلا إرادة عاجز، والإرادة بلا عقل عمياء.
في الرؤية المسيحية التقليدية، لا تُفهم العلاقة بين العقل والإرادة بوصفها صراعاً أصيلاً، بل انسجاماً اختلّ بسبب ضعف الطبيعة البشرية. وفق الأدبيات المسيحية، خُلق العقل والإرادة في انسجام تام، حيث العقل يرى الخير والإرادة تتحرك نحوه طواعية.
يقول القديس أوغسطينوس: “الإرادة الحرة دون الحق ليست حرية، بل عناداً”. فالإرادة ليست عمياء، بل هي “شهوة عاقلة” تتبع حكم العقل بشكل طبيعي. لكن بسبب السقوط (الخطيئة الأصلية)، ضعفت الإرادة وأصبحت تتمرد على ما يمليه العقل، فتعرف الخير ولا تفعله. لذلك، الخلاص المسيحي لا يتم بإلغاء العقل أو الإرادة، بل بعلاج الإرادة المريضة بالنعمة الإلهية، لتعود مطيعة للعقل المستنير بالإيمان. فالإنسان عندئذ لا يكون عبداً لعقله البارد ولا عبداً لغرائزه، بل حراً بإرادة معافاة تختار الخير عن معرفة ومحبة.
لذلك لا يُفسَّر العناد الفكري في التراث المسيحي على أنه قصور في الفهم فقط، بل باعتباره نوعاً من “تصلّب القلب” الذي يجعل الإنسان يرفض الحقيقة رغم إدراكه لها. يعبّر بولس الرسول عن مأزق الانقسام الداخلي في الإنسان بقوله في رسالته إلى أهل رومية: “لأني لستُ أفعلُ الصالحَ الذي أريده، بل الشرَّ الذي لستُ أريده فإيّاه أفعل”، في تصويرٍ بليغٍ لصراع الإرادة بين ما يدركه العقل خيرًا وما تنزع إليه النفس فعلًا.
وفي الإنجيل، كثيراً ما وجّه المسيح انتقاده إلى الذين “يبصرون ولا يبصرون، ويسمعون ولا يسمعون ولا يفهمون”، في إشارة إلى حالة روحية وإرادية ترفض الخضوع للحقيقة، لا إلى عجز عقلي عن إدراكها. كما يظهر ذلك في موقف الفريسيين الذين، وفق السرد الإنجيلي، رفضوا الاعتراف بما رأوه من آيات ومعجزات لأن قبولها كان يعني التخلي عن سلطتهم وصورتهم عن أنفسهم.
ولا يقتصر هذا الفهم للعناد والتعصّب على التراثين الإسلامي والمسيحي. في الفلسفة الكونفوشية أيضاً لا يُنظر إلى التعصّب باعتباره نقصاً في المعرفة بقدر ما يُنظر إليه كفشل في تهذيب النفس. فالحكيم الحقيقي، عند كونفوشيوس، ليس من يتمسك برأيه دائماً، بل من يمتلك الشجاعة الأخلاقية لمراجعة ذاته والتخلي عن الخطأ عندما يظهر له الحق. لذلك يرتبط العناد بالكبرياء وحب المكانة والخوف من فقدان الهيبة أكثر من ارتباطه بضعف الفهم.
أما في الفكر البوذي، فمصدر التصلب الفكري يكمن في التعلّق بالأنا وبالتصورات الثابتة عن الذات والعالم. فكلما ازداد الإنسان تعلقاً برغباته، ازداد عجزه عن رؤية الحقيقة كما هي.
وهكذا تلتقي هذه التصورات المختلفة، على تنوّع بيئاتها الثقافية والدينية، عند فكرة مركزية واحدة: الإنسان لا يرفض الحقيقة دائماً لأنه يجهلها، بل كثيراً ما يرفضها لأن إرادته أو أنانيته أو مصالحه تعجز عن التكيّف معها.
