الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمن رحم الحرب!.. بقلم سعد الدين عطية الله

من رحم الحرب!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

في بدايات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، بدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نظر الكثيرين منهكة وضعيفة، وتوقع البعض انهيارها الوشيك. ولكن بعد مرور ثلاثة أشهر على اندلاع شرارة تلك المواجهة، تجلت صورة مغايرة تماماً للتوقعات. فقد أثبتت طهران قدرة فائقة على الاحتفاظ بقدراتها العسكرية والصناعية، ورغم دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الموجهة للشعب الإيراني لإسقاط النظام، لم يلوح في الأفق أي تمرد شعبي. وبدلاً من الانكسار، وجدت القيادة الإيرانية نفسها مدفوعة نحو تكيف استثنائي وسريع لضمان البقاء وحصد مكاسب استراتيجية جديدة، مما أسفر عن ابتكار آليات غير مسبوقة في إدارة الحرب، وتسيير شؤون الدولة، وتوجيه المجتمع؛ لتنبثق من بين ركام هذه المواجهة “إيران جديدة” تبدو عازمة على إعادة هيكلة المشهد في الشرق الأوسط برمته.

ولعل من أبرز الأخطاء التحليلية التي يقع فيها المراقبون الغربيون اليوم، هو تصنيفهم للقيادة الإيرانية الجديدة التي تبلورت إبان الحرب، على أنها مجرد نسخة أكثر تشدداً وأدلجة في عدائها لواشنطن وتل أبيب. بيد أن التحول الأعمق والأكثر تأثيراً كان يختمر في الطبقات الأدنى من هرم السلطة، حيث صعد جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين المدنيين الذين تشكل وعيهم بالكامل في حقبة ما بعد ثورة 1979. هؤلاء باتوا يتبوأون اليوم مواقع صنع القرار الحساسة، حاملين معهم رؤية “قومية” صرفة لإدارة شؤون الحكم والأمن، وهي رؤية تعيد عملياً تعريف الماهية الحقيقية للجمهورية الإسلامية. فالطبقة الحاكمة الحالية، أو ما يمكن تسميته بالجيل الثاني من الثوريين -والذي يضم شخصيات مثل مجتبی خامنئي، ومحمد باقر قالیباف، وأحمد وحيدي- قد صُقلت رؤيتهم للعالم في خنادق أطول حرب تقليدية في القرن العشرين بين إيران والعراق. أما الجيل الثالث، الذي لا يعرف وطناً سوى إيران ما بعد الثورة، فقد نجح في إرساء ثقافة هيكلية وتكنوقراطية قائمة على الخبرة داخل القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية، متبنياً عقيدة استراتيجية تتمحور حول “الدفاع الوطني” بدلاً من التمترس خلف الأيديولوجيا الثورية التقليدية.

لقد بنت القيادة الجديدة للحرس الثوري حساباتها على حتمية انهيار الهدنة، وتوقعت اندلاع مواجهة أوسع قد تشهد تدخلاً أميركياً مباشراً. وفي غضون تلك الأشهر الثمانية الحاسمة، شهدت البنية المؤسسية الإيرانية تغييرات جذرية فاقت ما تحقق في عقد كامل. فقد تم التخلي عن المركزية الشديدة، ونُقلت العديد من الصلاحيات التنفيذية في قطاعات التجارة والزراعة وإدارة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية من العاصمة طهران إلى المحافظات والأطراف. كما تخلت البيروقراطية الإيرانية عن جمودها التاريخي لصالح مرونة التكيف السريع، وهو ما انسحب أيضاً على المؤسسات المعنية بالخطاب الداخلي والإعلام الخارجي التي شهدت تجديداً دموياً في قياداتها. وعلى الصعيد الميداني، ترجمت القوات المسلحة الإيرانية دروس المواجهات السابقة ببراعة لافتة؛ ففي ردها على الهجمات الأميركية والإسرائيلية، اعتمدت طهران تكتيك الإطلاق المنظم والمكثف للصواريخ والمسيّرات بهدف استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية للدفاعات الجوية المعادية في المنطقة. وعلاوة على ذلك، لجأت إلى نشر منصات الإطلاق على امتداد جغرافيتها الشاسعة، ودمجت المهندسين مع القوات القتالية داخل “مدن الصواريخ” لضمان الصيانة والإصلاح الفوري، مما مكّنها من مواصلة القصف لفترات تجاوزت أسوأ التقديرات الأميركية والإسرائيلية.

ولا يعني هذا الانعطاف الداخلي الواضح نحو “القومية” أن طهران في وارد التخلي عن حلفائها الإقليميين. فالجمهورية الإسلامية لن تقدم على تغيير جذري في طبيعة علاقاتها مع حزب الله في لبنان، أو الفصائل المقاتلة في العراق، أو الحوثيين في اليمن. لقد أدرك الاستراتيجيون الإيرانيون من خلال دروس حرب غزة أن السماح لإسرائيل بالاستفراد بجبهات “محور المقاومة” كل على حدة كان خطأً فادحاً، وأن الضربات التي تلقتها طهران وحلفاؤها نتجت بالأساس عن غياب التنسيق الشامل. لذلك، يحرص القادة الإيرانيون اليوم على تقوية هذه الشبكة الإقليمية، ليس انطلاقاً من دوافع أيديولوجية عاطفية، بل بناءً على حسابات براغماتية بحتة، قناعةً منهم بأن أمن إيران السيادي لا يمكن ضمانه بالكامل طالما استمر التهديد العسكري والضغط الاقتصادي من قِبل واشنطن وتل أبيب. وهذا ما يفسر إصرار طهران على ربط أي مفاوضات مع واشنطن بوقف إطلاق النار في لبنان، واشتراطها أن يُفضي أي اتفاق نهائي إلى إنهاء الحرب في كافة الجبهات مع اعتراف صريح بمكاسب إيران الاستراتيجية، في تجسيد واضح لمفهوم “الدفاع الإقليمي المشترك”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات