الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل يُعاد تشكيل العراق على وقع عقيدة بترايوس؟.. بقلم رعد الناصري

هل يُعاد تشكيل العراق على وقع عقيدة بترايوس؟.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو:

لم يعد ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق مجرد نقاش أمني داخلي كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي والإعلامي، بل تحوّل إلى ساحة صراع حقيقي حول شكل الدولة العراقية المقبلة وطبيعة توازنات القوة فيها بعد التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فالتطورات المتسارعة داخل البيت الشيعي، وتحديداً داخل الفصائل المنضوية في الحشد الشعبي أو القريبة منه، تكشف أن العراق يقف على أعتاب مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، برزت مؤشرات لافتة على تقارب بعض القوى الشيعية مع خطاب تركيز السلاح بيد الدولة، مثل سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي. في المقابل، تعلن فصائل أخرى رفضها الصريح لهذه المقاربة، وعلى رأسها كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وحركة النجباء وأصحاب الكهف وسرايا أولياء الدم، إلى جانب قوى أخرى قريبة من محور المقاومة. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف تكتيكي، بل يشير إلى انقسام استراتيجي حول موقع المقاومة في بنية الدولة العراقية ومستقبل الحشد الشعبي كقوة عسكرية وسياسية.

وتكشف هذه الانقسامات أن الصراع داخل الإطار الشيعي نفسه دخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً. فجزء من القوى التي نشأت أساساً في سياق المقاومة المسلحة بدأ يميل إلى إعادة تعريف دوره السياسي، في محاولة للتحول إلى قوة حزبية كبرى داخل النظام السياسي العراقي. هذا التحول لا ينفصل عن ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، كما يرتبط بحسابات تتعلق ببقاء النخب السياسية والاقتصادية في معادلة الحكم. وبعبارة أخرى، فإن بعض هذه القوى يبدو مستعداً للدخول في صفقة سياسية كبرى: تقليص الدور العسكري مقابل ضمانات بالبقاء السياسي والاقتصادي والأمني في مستقبل الدولة العراقية.

في خلفية هذه التحولات يبرز ما يمكن تسميته بإحياء غير معلن لعقيدة الجنرال الأمريكي ديفيد بترايوس، التي طُبّقت خلال سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق. جوهر هذه العقيدة لم يكن يقتصر على المواجهة العسكرية، بل اعتمد على إعادة هندسة البنية الأمنية والسياسية بما يسمح بإدماج القوى المسلحة المحلية داخل مؤسسات الدولة بطريقة تُفقدها استقلالها العملياتي والأيديولوجي.

اليوم، يبدو أن واشنطن تحاول توظيف مقاربة مشابهة عبر الدفع نحو إعادة هيكلة الحشد الشعبي ضمن مؤسسات أمنية رسمية وتغيير سلاسل القيادة فيه. الفكرة المعلنة تدور حول تعزيز سيادة الدولة وتوحيد القرار العسكري، غير أن الهدف الأعمق ـ وفق كثير من المراقبين ـ يتمثل في تفريغ الحشد تدريجياً من طبيعته كقوة مقاومة مستقلة وتحويله إلى جهاز بيروقراطي خاضع بالكامل لمنظومة الدولة التي تتعرض بدورها لتأثيرات خارجية واسعة.

وفي هذا الإطار، يجري الحديث عن قنوات مؤسسية جديدة، من بينها توسيع دور المؤسسات الأمنية الفدرالية، بما يسمح بدمج الفصائل المسلحة ضمن هياكل رسمية مع إعادة تنظيم التسليح والتمويل وسلاسل القيادة. مثل هذه الترتيبات تفتح الباب أمام اختراقات استخباراتية محتملة، كما قد تؤدي إلى تقييد قدرة هذه الفصائل على الحصول على تسليح نوعي أو اتخاذ قرارات عملياتية مستقلة في ملفات إقليمية حساسة.

في المقابل، يدافع أنصار هذا التوجه داخل العراق عن فكرة أن تعدد مراكز القوة المسلحة يعرقل بناء الدولة ويغذي حالة عدم الاستقرار ويشكّل عائقاً أمام جذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة الإعمار. غير أن هذا الطرح يتجاهل ـ وفق منتقديه ـ أن جذور الأزمة العراقية لا تكمن في وجود فصائل المقاومة بحد ذاتها، بل في ضعف مؤسسات الدولة وانتشار الفساد البنيوي وتعدد أشكال التدخل الخارجي في القرار العراقي.

التداعيات المحتملة لهذه التحولات تتجاوز العراق نفسه. فعلى المستوى الداخلي قد يؤدي فرض إعادة هيكلة أمنية تحت ضغط خارجي إلى تعميق الانقسامات السياسية والطائفية، وربما إلى تآكل الثقة بين الحكومة وبعض فصائل المقاومة. كما أن أي إضعاف مفاجئ للبنية الأمنية التي تشكلت بعد الحرب على تنظيم الدولة قد يخلق فراغات أمنية في بعض المناطق الحساسة.

أما بالنسبة لمحور المقاومة في المنطقة، فإن تقليص استقلالية الفصائل العراقية يعني تراجع هامش الحركة العملياتية وتقليص قدرة الردع في مواجهة التهديدات الخارجية. وبالنسبة لإيران، التي ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية مع عدد من هذه الفصائل، فإن أي تغيير جذري في بنية الحشد الشعبي قد ينعكس على التوازنات الإقليمية التي تشكل العراق أحد محاورها الأساسية.

لهذا تبدو المعضلة العراقية أكثر تعقيداً من مجرد شعار «حصر السلاح بيد الدولة». فالتحدي الحقيقي يكمن في إيجاد صيغة توازن بين بناء دولة قوية ذات مؤسسات فاعلة، وبين الحفاظ على القدرات الدفاعية التي تشكلت خلال سنوات الحرب على الإرهاب. ومن هنا يطرح بعض الباحثين نموذجاً بديلاً يقوم على توحيد منظومة القيادة والتنسيق العملياتي دون تجريد فصائل المقاومة من قدراتها الاستراتيجية.

مثل هذا النموذج يفترض تثبيت الوضع القانوني للحشد الشعبي ضمن منظومة الأمن الوطني، مع الحفاظ على مهامه الأساسية في مكافحة الإرهاب والدفاع الوطني، وتطوير آليات قيادة مشتركة مع القوات المسلحة العراقية، إضافة إلى تعزيز الشفافية المالية والإدارية في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية على حد سواء. والأهم أن تتم أي عملية إعادة تنظيم أمني على أساس توافق وطني عراقي خالص، بعيداً عن ضغوط القوى الخارجية وصراعاتها.

في المحصلة، لا يبدو أن الجدل حول سلاح الحشد الشعبي هو مجرد نقاش تقني حول ترتيبات أمنية، بل هو جزء من صراع أوسع على شكل العراق ودوره الإقليمي في السنوات المقبلة. فتعزيز الدولة هدف مشروع لا يختلف عليه العراقيون، لكن الدولة القوية لا تُبنى بالضرورة عبر تفكيك القوى التي لعبت دوراً أساسياً في حماية البلاد من الإرهاب ومنع انهيارها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم ليس فقط من يحمل السلاح، بل كيف يمكن إدارة توازن دقيق بين الدولة والمقاومة بحيث يبقى العراق قادراً على حماية سيادته ومنع انزلاقه مجدداً إلى دوامة الفوضى والصراعات الإقليمية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات