الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمعضلة الأولويات في حرب السودان .. معتصم اقرع

معضلة الأولويات في حرب السودان .. معتصم اقرع

سودان تمورو

عمومًا، اتخذت الطبقة الليبرالية والحداثية والمؤيدة للديمقراطية، سواء أكانت ليبرالية أم يسارية، موقفين مختلفين. يدعم أحد الفصائل الغزو الأجنبي عبر الجنجويد سرًا أو علنًا، ويعتبره إما الحل الأخير المتاح لتحقيق الديمقراطية، أو يعتبره أهون الشرين مقارنةً بالحكم العسكري. أحيي هذه المجموعة على موقفها الواضح، لكنني لا أحترم نفاق الذين يدعمون العدوان الأجنبي ويتظاهرون بالحياد.
لكن هناك فصيل آخر ضمن الطبقة الحداثية والمؤيدة للديمقراطية، الليبراليين واليساريين، يعارض بصدق كلًا من عدوان الجنجويد الأجنبي والحكومة العسكرية. من حيث المبدأ، هذا هو الموقف الصحيح، إذ يجب علينا دائمًا السعي من أجل حكم ديمقراطي يتحكم إلى القانون. لكن طرح القضية بهذه الطريقة والانسحاب هو الجزء السهل.
أما السؤال الصعب الذي يتجنب هذا الفصيل مواجهته علنًا فيتعلق بالسؤال التالي: ما هي الأولوية الصحيحة الآن (معارضة العدوان الأجنبي أم الحكومة القائمة بحكم الأمر الواقع) بينما تتعرض الدولة السودانية لأحد أشرس العدوان الأجنبي في أفريقيا ما بعد الاستعمار، بينما تتزعزع أركانها وتكافح من أجل البقاء، بينما تُقصف البنية التحتية المدنية من الدول المجاورة، بينما ينحدر المرتزقة من مختلف الأقاليم لقتل الشعب السوداني، بينما ترتكب ميليشيات الجنجويد الممولة من الخارج أعمال عنف جنسي واسعة النطاق وتطهيرًا عرقيًا وجرائم حرب؟ في ظل هذه الظروف، ما هي الأولوية؟ أتفهم وجهة النظر القائلة بأن واجبنا أن نعمل ضد فقه العدوان الخارجي والحكومة العسكرية معًا بمجرد توقف الحرب. ولكن ماذا عن الآن، بينما تتساقط القنابل وتدمر الطائرات المسيرة محطات الطاقة والمستشفيات، ويتعرض وجود الدولة نفسها للخطر، وليس الحكومة؟ وسؤال الأولوية ليس بتنطنع نظري إذ يترتب عليه ضبط أيقاع المنتج السياسي والإعلامي اليومي.
أتفهم وجهة النظر القائلة بأننا سنعمل ضد العدوان والحكومة العسكرية بمجرد توقف الحرب. ولكن ماذا عن الآن، بينما تتساقط القنابل وتدمر الطائرات المسيرة محطات الطاقة والمستشفيات، ويتعرض وجود الدولة نفسها للخطر، وليس الحكومة؟ لا يزال فصيل اليساريين الليبراليين، المعارضين بصدق للعدوان الأجنبي لجماعة الجنجويد، يتجنب هذه المسألة ويتظاهر بعدم وجود أي تحدٍّ يتعلق بترتيب الأولويات. فهم يفضلون الموقف السهل المتمثل في معارضتهم لكليهما، متظاهرين بذلك بالحفاظ على نزاهتهم الأخلاقية.
لكن هذه نزاهة زائفة، لأن التدخل الأجنبي كان حاضرًا دائمًا، سياسيًا وعسكريًا، خلال فترة حكم البشير الإسلامي، وكان إعطاء الأولوية آنذاك لإسقاط الحكومة العسكرية موقفًا موحدًا للجميع.
ولم يخشوا اتهامهم بالانحياز للتدخل الأجنبي، الذي تمثل في فرض عقوبات اقتصادية قاسية وممارسة ضغوط سياسية كبيرة، بما في ذلك تسليح المتمردين ضد الحكومة. أما الآن، فقد شُلَّ هذا الفصيل نفسه، ويرتعب من خوف اتهامه بدعم حكومة عسكرية إذا ما أعطى الأولوية لمقاومة العدوان الأجنبي لتثبيت أركان الدولة السودانية ومؤسساتها المعرضة للخطر الشديد.
في زمن معارضة نظام البشير، حين كان التحرش الأجنبي به مُغفَلاً بل ومُسانَدًا من قبل الليبرال واليسار ، لم يخشَ أحد من أن يُوصم بأنه عميل للتدخل الخارجي.
كانت معطيات المرحلة ترجح بوضوح إسقاط النظام والعمل من أجل حكم مدني ديمقراطي. أما اليوم، فمن يُرجح الدفاع عن الدولة السودانية في مواجهة عدوان أجنبي شرس، يُتَّهم فورًا بالوقوف إلى جانب الحكم العسكري.
هذا التخويف الأخلاقي المُقْنِع يُرعب الكثير من الليبراليين واليساريين، ويُخرجهم عمليًا من دائرة التصدي الفعَّال للعدوان الإمبريالي وبذلك يضعهم في صفه عمليا بالتواطؤ السكوتي أو بقصف “طرفي الصراع” بنفس الكثافة ، بغض النظر عن النوايا المعلنة.
في مقال نُشر مؤخرًا في مجلة جاكوبين بعنوان “بالنسبة للإيرانيين، اليأس ليس استراتيجية”، تقول الشابة الإيرانية الراديكالية هدى كاتبي: “ولا يمكن لمستقبلنا أن يكون بأيدينا ما لم تتحرر إيران من التهديدات المستمرة بالإفناء الخارجي. ربما كان في قول هدى كاتبي باستحالة أن نمتلك زمام أمرنا ما لم تتحرر البلد من التهديد بالإفناء على يد الخارج مدخل لتفكيك سؤال الأولويات.
من نافلة القول إن العدوان الأجنبي لا تتمخض عنه ديمقراطية ولا كرامة إنسانية على الإطلاق. وهذا ما يؤكده التاريخ. وهو السبب نفسه الذي دفع بليون تروتسكي إلى القول: إذا ما اعتدت بريطانيا الديمقراطية على حكومة برازيلية فاشية، فإنه لن يتردد في الدفاع عن البرازيل. ببساطة، لأن عدوان بريطانيا الديمقراطية لن يولد من جعبته ديمقراطية برازيلية. بل ستكون النتيجة ديكتاتورية جديدة تُضيف طبقة استغلالية أخرى، فيصبح الإنسان البرازيلي، الذي كان مستغلاً من قبل الحكومة العسكرية، مستغلاً أيضًا من قبل جهة إضافية من وراء البحار.
وبما أن الموضة هذه الأيام هي الربط بين الماركسيين والإسلاميين فلا بد أن نزن ذكرنا لتروتسكي واليسارية هدي كاتبي بشيخ الاسلام ابن تيمية الذي قال “ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات