سودان تمورو
كان نشر رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للروائي السوداني، الطيب صالح (1929-2009)، قبل 60 عاماً حدثاً نوعياً زلزل الوسط الأدبي العربي لأسبابٍ كثيرة، فعدا أهمية المحتوى، وأصالة التجربة، هذه رواية تستكشف مناخات حارّة لروائي يكتب عمله الروائي الأشهر عن بيئة مجهولة أقرب ما تكون إلى الواقعية السحرية قبل شيوعها في أدب أميركا اللاتينية.
نُشرت الرواية في مجلة “حوار” البيروتية، قبل أن تصدر في كتاب مستقل إلّا أن الرواية مُنعت في معظم البلدان العربية لجرأتها في هتك المحرّمات الرقابية وانتسابها إلى الادب المكشوف والواقعية الخشنة.
ذلك أن بطلها “مصطفى سعيد” درس في القاهرة ثم هاجر إلى لندن “غازياً” أكثر منه مهاجراً، إذ واجه ما بعد الكولونيالية الأوروبية بفحولته الشرقية، وتصرّف كزير نساء في المقام الأول مستدرجاً نساء كثيرات إلى غرفته العابقة بروائح الشرق وأشعار أبي نواس الماجنة التي فتنت عشيقاته قبل أن يقعن في حبائله المدمّرة.
الأنا والآخر والمركزية الأوروبية
ستنتهي الغواية إلى الانتحار، والحب إلى الإهانة والاحتقار، فها هي “جين مورس” تخضع له بعد أن طاردها 3 سنوات بموافقتها على الزواج من هذا “الثور الهمجي”. إلّا أن المأساة ازدادت توتراً وتعقيداً بينهما ما دفع مصطفى سعيد إلى قتلها فحكم عليه بالسجن مدة 7 سنوات، لينتهي مشرداً في أصقاع الأرض قبل أن يعود إلى إحدى القرى السودانية كشخص غريب سرعان ما ينخرط بحياة الفلاحين بعد أن امتلك أرضاً وتزوج وأنجب تاركاً شهاداته العلمية في أدراج النسيان.
على المقلب الآخر، يتتبع الراوي العائد للتو من لندن، سيرة هذا الشخص الغامض بمرآة أخرى. إذ تتكشف شخصيته عن كائن متوتر تحتشد حياته بالألغاز، ويقرّر أن يتعرف عليه عن كثب، على أمل أن يستكشف بعض أسراره.
ماذا لو أن هذه الرواية صدرت اليوم؟ هل ستلقى التبجيل النقدي نفسه؟ في غياب البوصلة النقدية الصارمة، ووسط وفرة الروايات والمنصات العابرة، ربما كانت ستُطوى على عجل أمام أسئلة جديدة عن الهوية، لا بوصفها صراعاً مع الآخر فقط، بل صراعاً مع الذات وتمزقاتها الراهنة.
عند هذا الحد يقرّر الطيب صالح أن ينهي حياة مصطفى سعيد غرقاً في أحد طوفانات نهر النيل ليتولى مجرى السرد بنفسه واحتلال مكانه. إذ يتقدم للزواج من أرملته “حسنة بن محمود”، لكن أهلها سيرغمونها على الزواج من “ود الريس” فتقرر قتله ثم تنتحر كنوع من رفض العبودية.
تنطوي الرواية على اشتغالات سردية عن الأنا والآخر، وعن المسافات الفاصلة بين الشمال والجنوب، ومعنى الاغتراب، والهوية الوطنية، والبشرة السوداء أو كما يقول إدوارد سعيد في توصيف هذه الرواية “رحلة معاكسة لبطل جوزيف كونراد في روايته “قلب الظلمات”، تمثل وثيقة أدبية وفكرية بالغة الأهمية لتفكيك ثنائية الشرق والغرب وعمليات “ما بعد الاستعمار”، كما أضاء على “الهجنة الثقافية” والتمزّق الذي يعيشه المهاجر بين إعجابه بالحضارة الغربية واحتفاظه بغريزته الشرقية ونقمته على استبدادها السياسي، وفضح أمراض المركزية الاوروبية”.
بين نهري النيل والتايمز
هكذا يرسم الطيب صالح مسارين متضادين في حراثة مصائر شخصياته، كمن يطوف نهري النيل والتايمز في مجداف واحد: دفء السودان وبرودة لندن، الطاعة والرفض، الاشتهاء والاحتقار، قيم الغرب المضطربة، وأكاذيب الشرق التي يرويها مصطفى سعيد بما يرضي المخيال الغربي.
إذ يهتف منتصراً ” إنني جئتكم غازياً” لكنه ينتهي قاتلاً، لتتلاشى سلطته الجسدية إلى الاندحار والخسارة عائداً إلى منبته الأصلي في مسعى لتأكيد ذاته على نحوٍ آخر، وذلك بالانخراط بقيم الريف ومحاولة النهوض به، وسيكمل الراوي ما بدأه مصطفى سعيد: “سنهدم ونبني وستخضع الشمس ذاتها لإرادتنا وسنهزم الفقر بأي وسيلة”.
تنطوي الرواية على اشتغالات سردية عن الأنا والآخر، وعن المسافات الفاصلة بين الشمال والجنوب، ومعنى الاغتراب، والهوية الوطنية، والبشرة السوداء، كما أضاءت على الهجنة الثقافية والتمزّق الذي يعيشه المهاجر بين إعجابه بالحضارة الغربية واحتفاظه بغريزته الشرقية ونقمته على استبدادها السياسي.
من ضفة أخرى، تهجو الرواية الزمن الاستعماري في سجالات صاخبة واتهامه بتوطين التخلّف بقصد السيطرة على ثروات البلاد “البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز، وسكك الحديد أنشئت أصلاً لنقل الجنود، وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول “نعم” بلغتهم”.
الرواية من هذا الباب تعالج الصدمة الحضارية وصراع الهويات، من دون انحياز لأي من الجهتين، ففوق هذه القماشة السردية تتكشف الصورة عن الصراع المحتدم بين قيم القرية وعنف الإمبراطورية، “تعلّموا الصمت والصبر من النهر والشجر”، لكن الراوي يفترق عن مصطفى سعيد في سلوكياته المشينة كرمز للرجولة الفاحشة والبدائية، وصورة تعويضية لخسائره العسكرية.
يرسم الطيب صالح مسارين متضادين في حراثة مصائر شخصياته، كمن يطوف نهري النيل والتايمز في مجداف واحد: دفء السودان وبرودة لندن، الطاعة والرفض، الاشتهاء والاحتقار، قيم الغرب المضطربة، وأكاذيب الشرق التي يرويها مصطفى سعيد بما يرضي المخيال الغربي.
يقول الراوي: “أريد أن يفيض الحبّ من قلبي فينبع ويُثمر. ثمّة ثمار يجب أن تُقطف، كتب كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العُمر، سأكتب فيها جُملًا واضحة بخطٍ جريء”.
الرد بالكتابة
الجرأة إذاً، تقع في صلب العمارة الروائية، الأمر الذي منح هذه الرواية مكانة استثنائية، ففي التصنيفات الروائية لتاريخ الرواية العربية، كانت “موسم الهجرة إلى الشمال” بين أهم 100 رواية عربية في القرن الـ 20، كما تُرجمت إلى نحو 30 لغة عالمية، وكُتبت عنها عشرات القراءات النقدية في تفكيك بنيتها السردية كما في كتابات جورج طرابيشي، ورجاء النقاش، وجابر عصفور، وعلي الراعي، وفخري صالح. إذ رأى هؤلاء أن أهمية هذه الرواية تكمن في “الرد بالكتابة” في مواجهة الكولونيالية الأوروبية، وذلك في بناء هندسي متفرد نقل الرواية العربية إلى منطقة تجريبية مفارقة للنص الكلاسيكي المستقر.
تهجو الرواية الزمن الاستعماري في سجالات صاخبة، متهمةً إياه بتوطين التخلّف بقصد السيطرة على ثروات البلاد، حيث جاءت البواخر أولاً بالمدافع لا بالخبز، وأنشئت السكك الحديدية لنقل الجنود، والمدارس لتعليم المستعمَرين كيف يقولون “نعم” بلغة المستعمِر.
هكذا بدت “موسم الهجرة إلى الشمال” نقدياً، كما لو أنها بيضة الديك بالمقارنة مع الأعمال الأخرى للطيب صالح مثل “عرس الزين”، و”بندر شاه”، و”ضو البيت”، و”مريود”، ولكن مهلاً، ماذا لو أن هذه الرواية صدرت اليوم، هل ستلقى التبجيل النقدي نفسه؟ ففي غياب البوصلة النقدية الصارمة، ووفرة الروايات، ربما سيكتب أحدهم مراجعة سريعة للرواية أو خبراً مبتسراً في إحدى المنصات العابرة.
على الأرجح، ستطوى هذه الرواية على عجل استجابة لأسئلة جديدة عن صراع الهوية، ليس مع الآخر، بل مع الهوية نفسها في تمزقاتها الراهنة، بالإضافة إلى الطفرة الروائية العربية بعد “غزو” المهاجرين الجدد إلى أوروبا ومحاولاتهم الاندماج، حيث لن يجد “مصطفى سعيد” مكاناً له في الفردوس المفقود!
روائي وصحفي سوري
