الإثنين, يونيو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي"حنظلة" في جزيرة "إينيس أوير" يُعري غياب النخبة العربية .. امل محمود

“حنظلة” في جزيرة “إينيس أوير” يُعري غياب النخبة العربية .. امل محمود

سودان تمورو
في وقتٍ تمر فيه الأمة العربية بواحدة من أحلك أوقاتها التاريخية، وبينما تواجه غزة حرب إبادة جماعية لا تبقي ولا تذر، تتوجه الأنظار تلقائياً نحو الفن؛ ذلك السلاح الناعم الذي طالما كان صوتاً للمقهورين وجسراً لتوثيق المآسي الإنسانية. لكن المفارقة الصادمة اليوم تكمن في خارطة التضامن؛ حيث تصدح حناجر وتتحرك ريشات واقلام وفؤوس لمبدعين غربيين، في المقابل يخيم صمت مريب، أو تراجع باهت، على المشهد الفني العربي إلا من رحم ربي.
المشهد القادم من أيرلندا مؤخراً يلخص هذه المفارقة الإنسانية والأخلاقية بأبهى صورها؛ حيث قامت الفنانة الأيرلندية بيلولوكا (Beluluka) بتدشين تمثال للطفل الفلسطيني الشهير “حنظلة”، الأيقونة التي ابتدعها الشهيد ناجي العلي.
تم وضع التمثال في جزيرة “إينيس أوير” (Inis Oírr)، شاخصاً ببصره نحو الشرق، نحو فلسطين المحتلة، تلخيصاً لفكرة الصمود الأبدي والتأكيد على حق العودة، وتخليداً لأرواح أطفال غزة الذين غيبهم الموت برصاص وقذائف الاحتلال.
هذا الموقف الأيرلندي النبيل يضعنا أمام تساؤل حتمي، مرير، لكنه ضروري: أين الفنانون العرب من مناصرة إخوانهم في غزة؟
ولم يكن غريباً أن يخرج هذا الموقف من أيرلندا، تلك الجزيرة التي عانت لعقود طويلة من ويلات الاستعمار والتهجير، مما جعل شعبها وفنانيها الأكثر قدرة على الإحساس بالوجع الفلسطيني.
عندما تنحت “بيلولوكا” تمثال “حنظلة” وتضعه على حافة المحيط الأطلسي لينظر شرقاً، فهي لا تقدم مجرد عمل فني، بل تمارس فِعلاً سياسياً وأخلاقياً رفيع المستوى، وتؤكد أن الإنسانية لا تحدها لغة ولا عرق.
هذا العمل يثبت أن الفن الحقيقي هو الذي ينحاز للإنسان، ويعيد إحياء الرموز المقاومة ليجعل من “حنظلة” رمزاً عالمياً يتحدث الأيرلندية والإنجليزية وكل لغات الأرض، ليقول للعالم إن مأساة أطفال غزة لن تُنسى.
في المقابل، يثير موقف النخبة الفنية العربية الكثير من علامات الاستفهام والأسى. باستثناء مبادرات فردية ومقاطعات خجولة هنا وهناك، ويلاحظ المتابع حالة من “الانفصال عن الواقع” تعيشها أوساط فنية عربية واسعة.
في الوقت الذي كانت فيه مستشفيات غزة تُقصف ومدارسها تُباد، كانت السجادات الحمراء تُفرش في عواصم عربية متعددة، وكانت الحفلات الغنائية والمهرجانات الفنية تستمر وكأن شيئاً لم يكن، تحت مبرر واهٍ وهو أن “الحياة يجب أن تستمر” أو أن “الفن مصدر رزق”.
• تجنب “المتاعب” السياسية: يبدو أن الكثير من نجوم الفن العربي آثروا السلامة، ففضلوا الصمت أو الاكتفاء بمنشورات باهتة على وسائل التواصل الاجتماعي تخلو من أي موقف حاسم، خوفاً على مصالحهم الشخصية، أو عقودهم الإعلانية، أو فرص ظهورهم في قنوات فضائية معينة.
• خيانة إرث الفن الملتزم: لقد تخلت الغالبية العظمى من الساحة الفنية الراهنة عن إرث الفن العربي الملتزم الذي قاده قامات مثل الشيخ إمام، وأحمد فؤاد نجم، ومحمود درويش، ومارسيل خليفة، وشادي عبد السلام. هؤلاء الذين جعلوا من الفن خندقاً للمقاومة وجزءاً لا يتجزأ من معركة التحرر.
الفن موقف.. أو لا يكون
إن المقارنة بين ما قدمته الفنانة الأيرلندية “بيلولوكا” وما يقدمه (أو يمتنع عن تقديمه) فنانو العالم العربي، تكشف عن أزمة هوية وأزمة ضمير حادة. فالأولى لم تجمعها بالفلسطينيين وحدة دين، ولا لغة، ولا قومية، بل جمعتها معهم “وحدة الألم الإنساني”. أما الآخرون، فقد عجزوا حتى عن مجاراة هذا التعاطف الغربي رغم الروابط التاريخية والدموية التي تجمعهم بغزة.
كلمة أخيرة: إن التاريخ لا يرحم، وكما يُخلد اليوم أسماء فنانين غربيين اختاروا الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ وتحملوا في سبيل ذلك مضايقات جمة، فإنه سيذكر أيضاً بأسف تلك النخبة العربية التي اختارت الصمت، أو الرقص على جراح أهليها. “حنظلة” في جزيرة “إينيس أوير” الأيرلندية سيبقى شاهداً ليس فقط على صمود غزة، بل وعلى عجز وخذلان أولئك الذين كان يُفترض بهم أن يكونوا صوتها الأول.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات