سودان تمورو
للرسام الإسباني بيردل بوريل لوحة مشهورة (الهروب من الإطار والتقليد) رسم فيها الدهشة والندم على لحظة افناها في الإطار وبعيدا عن اللوحة وقريبا منها نجد الشعب السوداني لازال سجين إطار الانجليز وسمتهم البالغة الرسوخ دولة ٥٦ وكان الإطار مسار نقاشاتنا بل وحروبنا الداميةفالإنجليز هم من البس دولة ٥٦ ثوبها المرفه وقد سماها اخيرا اهلك الإسلاميين (مثلث حمدي)، جعلها الإنجليز منطقة حيوية ومحورية لهم لا للشعب السوداني وعندما نعق ناعقنا (تحرير لا تعمير) ألهوه بصحن صيني كله شقوق ولملموا عدتهم وغادرونا وبقي فينا مثلثهم لا مثلث حمدي يمارس غوايته فينا ويخطب وده كل نطيحة ومتردية ومأاكل السبع ومن كل أطراف السودان الجميع يسابق لشلية من بيت الإنجليز لا بيت ابوه وكانت كل موجة تلحق اختها وكلما سئلت من أين لها هذا؟ اجابت بطابق كما في الموجة الأولى وبحي كما في اللاحقات وشهدنا الخرطوم ١و٢و٣ وموجة نخب عبود كان من نصيبها العمارات وموجة نخب النميري كان عنوانها الرياض المنشية ويجهل أهل الإنقاذ فوق جهل الجاهلين ولم تكفيهم كافوري فكانت المجاهدين و المهندسين والصفا ويثرب ولو صبر الشباب قليلا لكانت هنالك مدن وفرقان أكثر ورغم انتفاضتهم مازال شعار تحرير لا تعمير يلف حواف مثلث الإنجليز وفعل فينا مافعل.
أما الأمر المثير هو عجزنا عن مغادرة ذلك الإطار وفي مقدورنا اكتشاف طيف متنوع من القيم والاساليب الرافضة للإطار والمانعة لنزعة القتل المجاني التي غطتنا منذ الخمسينات وحتى اللحظة الراهنة للركب..
قد تشكل بأن هذه الظاهرة ليست مجرد مسألة فردية وانها نتاج تفاعلات معقدة بين القيم والمفاهيم المجتمعية التي تشكل نظرة السوداني عامة للسلطة أو ابناء الشريط النيلي كما يؤكد صديقنا ودالتجاني، ولكن اطرح معك للتساؤل حول كيفية تعامل المجتمعات السودانية مع السلطة والتمييز الطبقي كما تذكرنا بفلسفة (العلو) عند الألماني فولفجانغ فمن الممكن أن نقفز خارج الإطار ونصنع عوامل تسهم ليس في صعود الأفراد والجماعات الي مراتب أعلى كما يحدث الان ببندقية القبيلة بل تفاعلات ليست معقدة تزرع فينا قيمة( العدل) فقط العدل العدل المطلق ففيه رضا للجميع من الإسلامي الذي تضرب به المثل (انس) فهو ليس ودالمكي ولا الافندي ولا صديقك الانيق المحبوب ولاحتى سيد الخطيب أو على يس أو شيخك إسحق ففي يقيني( انس وبشه وكبر) هم الوليد الغير شرعي للحركة الإسلامية (المؤتمر الوطني) الذي اخذ نصيبه تالت ومتلت من مثلث حمدي وهم شلة لم تسمع بوثيقة المدينة ولم تدرس عهد الامام علي كرم الله وجهه لمالك الاشتر في كيف تحكم الأمصار فكل نصيبهم من الإسلام قيم الامويين والعباسيين التي لم تتجاوز (الاصفرين) اما بقية الإسلاميين كان في ساحة الاعتصام مع بقية الشباب وانت شاهد معنا ونحن نحوم في خيم الاعتصام حتى( حدث ماحدث) وبقيت كل حيلة قحت التباكي على ضحايا الاعتصام وكانت لها اليد الطولي في قتلهم فقد قام كبيرهم الذي علمهم السحر بتشليع خيمته ظهرا ولحق به الجميع وبقي الشباب بلا سند حتى درشوهم والبنات نيام.. لقد كانت قحت آخر الحالمين بميراث حمدي الذي تقذم في حفنة عربات لدانفوديو وشاشات ملفوحة من حائط منظمة الدعوة المشقق.
بنهاية المؤتمر الوطني انتهت الايدلوجيات وللابد والطائفيات وناس( يا فيها يا نطفيها) ومستنكحي القوميات المحليه والعابرة للاقليم لقد تحملنا ندباتهم بوجع تعجب له جمال الشيل..
بما انك عشت طفولتك وشبابك على قضبان السكه حديد تحمل حيوية أكبر وحماسة أكثر وفضولية أوسع مما استطيع ان اصفك بها أو أصف رؤيتك للسودان والسودانيين كنت تحتمل ندبات الزمن السوداني حتى وقت قريب وانت تسخر من انزعاجنا على مليارات الدعم السريع وهي تهدر فوق عطالي الإبداع ومتوسطي الثقافة في مركزه قرب المنشية يصنعون وثائقيات تجمله للاتحاد الأوربي وهل يحتاج الاتحاد الأوربي ام يحتاج اعراب الخليج.. كل ذلك يحدث وانت معنا تحتوينا زقاقات السوق العربي ونحتويها نقتسم كورة بليلة عدسية عند حاجه كلتوم أو نحتسي القهوة عند زهراء وحسابها مؤجل وبلطف منها معتاد تنأي بنفسك عن مغانمهم وتسدي النصائح..
أن الزمن يتحرك ببطء غير رحيم واعشم معك بأيقاع أقل ترويا وكما طاردت الجمال في طول السودان وعرضه تحمل قلم وكامرا تعال نطارد القبح بلا مداراة في طول السودان وعرضه.. اطماعنا.. جشعنا.. خبثنا.. حسدنا.. ظلمنا لبعضنا البعض ونستلهم من كل ذلك مااستلهمة شوبنهاور ونصنع من كل تلك القبائح أشواك كأشواك القنفذ السوداني مهما كان سؤه لايستطيع العيش في عزلة إذ يحتاج إلى الآخرين ولكنه كالقنفذ ما ان يقترب أكثر مما ينبغي حتى تنشاء المشكلات وتبداء الصراعات.. نستطيع ان نضع مسافة عادلة تضمن لنا الاستمرار فكما اتخذ شوبنهاور من اقتراب القنافذ من بعضها البعض طلبا للدفء تكتشف ان الاشواك التي تكسوا أجسادها تصبح مصدرا للألم فتبتعد، وصنع منها ذلك الفيلسوف اهم نظريات العلاقات الإنسانية.. فالنكتشف نظرية للعلاقات السودانية حتى لا نخسر سوداننا علينا أن نحسن تحديد المسافة المثالية لتنظيم حياتنا أو على الأقل ان نحدد كيف يحكم سوداننا بدلا عن من الذي يحكمه وهي علتنا التي لم تغادرنا منذ أن غادرنا الإنجليز..
وللحديث بقية ان شاء الله
