الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارقصف بورتسودان.. تصعيد عسكري لفرض واقع سياسي

قصف بورتسودان.. تصعيد عسكري لفرض واقع سياسي

سودان تمورو:

تكثيف الهجمات الجوية من قبل قوات الدعم السريع على مدينة بورتسودان لم يأتِ من فراغ، بل يحمل بين طياته رسائل سياسية واضحة موجهة إلى القيادة العسكرية في بورتسودان وإلى المجتمع الدولي على حدٍ سواء. فمع اقتراب إعلان الحكومة الموازية من قِبل تحالف “تأسيس”، تتعاظم مخاوف الدعم السريع من أن تتحول هذه الخطوة إلى هدف عسكري مشروع للجيش السوداني، عبر استهداف مقرات الحكومة الجديدة أو تعطيل مسارها عبر ضربات جوية تُفقدها الحد الأدنى من الاستقرار اللازم لفرض حضورها الداخلي أو كسب اعتراف خارجي. وعليه، فإن القصف المكثف لبورتسودان ليس مجرد تصعيد عسكري معزول، بل هو رسالة ميدانية مفادها أن الدعم السريع جاهز لردع أي محاولة لإفشال مشروعه السياسي عبر استخدام القوة الجوية. الرسالة الأوضح تقول: أي استهداف لحكومتنا سيقابَل بردٍ مماثل، وأننا مستعدون لتفعيل معادلة “الضربة بالضربة”، والانتقال إلى مرحلة من الردع العسكري المتبادل يمكن تشبيهها بعملية “الذراع الطويل” سابقاً، لكن هذه المرة ستكون موجهة إلى عمق الدولة لا إلى أطرافها.

من خلال هذه الرسائل، تسعى قوات الدعم السريع إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة مع الجيش السوداني، تضمن لها إقامة حكومة موازية على أرض آمنة غير خاضعة للاستهداف، وتسمح لها باستضافة بعثات دبلوماسية أجنبية، وبناء مقار سيادية، وتوفير بنى تحتية تؤهلها لأداء وظيفة الدولة داخل رقعة جغرافية محددة. الهدف النهائي هو خلق نموذج شبيه بالحالة الليبية أو اليمنية، حيث تتعايش سلطتان، لكل منهما سيطرتها الإقليمية وعلاقاتها الخاصة، بينما يدفع الشعب الثمن من وحدته الوطنية ومن مستقبل دولته. هذا السيناريو لا يعبّر عن مشروع سياسي، بقدر ما هو فرض للأمر الواقع بالسلاح، وتثبيت لانقسام فعلي يتم تأطيره سياسياً لاحقاً. وكل ذلك يجري وسط غياب تام لأي إرادة وطنية جامعة، أو مبادرة مدنية حقيقية تعيد السودان إلى مساره الطبيعي كدولة موحدة ذات سيادة غير قابلة للتجزيء.

وفي مقابل هذا التصعيد، اتخذت الحكومة السودانية خطوة مهمة بقطع علاقاتها مع دولة الإمارات، بعد أن اتضح بما لا يدع مجالاً للشك حجم الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه أبوظبي لقوات الدعم السريع. هذه الخطوة، ورغم أنها جاءت متأخرة، تحمل في طياتها رسالة سياسية مهمة تعكس وعي الحكومة بخطورة التورط الخارجي في الصراع الداخلي. لكنها، على أهميتها، تبقى ناقصة إن لم تُستتبع بإستراتيجية ضغط شاملة قادرة على اختراق الداخل الإماراتي إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً. فالسودان اليوم لا يملك أدوات النفوذ اللازمة لإيصال صوته إلى الرأي العام الإماراتي أو التأثير في دوائر صنع القرار في أبوظبي. والمواجهة مع التدخل الإقليمي تتطلب أكثر من مجرد قطع للعلاقات، بل تحتاج إلى تعبئة وطنية شاملة، وتحالفات دبلوماسية مضادة، وإنتاج سردية سياسية واضحة تُظهر حجم الجريمة المرتكبة بحق السودان بدعم خارجي مباشر.

في المحصلة، ما يجري في بورتسودان ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو مشهد متكامل من معركة الشرعية، تُستخدم فيه أدوات الردع لتثبيت وقائع سياسية على الأرض. الدعم السريع لا يهاجم المدينة عبثاً، بل يبعث برسالة تقول: لن نسمح لأحد بإجهاض مشروع الحكومة الموازية بالقوة. إنها معركة وجود لا مجرد معركة نفوذ، تُنذر بإعادة تشكيل الدولة السودانية على أسس صراعية خطرة، وتهدد بإدخال البلاد في نفق انقسام لا نهاية له. أما السودان الرسمي، فعليه أن يوازن بين الرد الحاسم على التهديدات، وبين إنتاج رؤية وطنية شاملة، تُعيد ضبط البوصلة وتقطع الطريق على مشاريع التقسيم. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في السماء، بل في عقول السودانيين وضمائرهم، وهي معركة لا تُكسب بالطائرات وحدها، بل بالحكمة، والشرعية، والقدرة على بناء دولة تستحق البقاء.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات