الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان بين التهميش الداخلي والاستغلال العالمي

السودان بين التهميش الداخلي والاستغلال العالمي

سودان تمورو:

ليس خافيًا أن مناطق غرب وجنوب السودان قد عانت لعقود من ويلات الحروب بسبب سياسات التهميش والإقصاء، لكن الحقيقة الموجعة هي أن السودان بأكمله يعيش حالة من الانهيار الشامل، حيث تتسع الفجوة بين نخبة ضيقة تستأثر بالسلطة والثروة، وأغلبية ساحقة تعيش في الفقر والحرمان والتهميش. وهذا الانقسام ليس مجرد نتيجة لصراع مناطقي أو إثني، بل هو انعكاس لبنية حكم أوليغارشية تتجاوز الجغرافيا والعرق، وتقوم على تحالف مصالح بين نخبة من السياسيين والعسكريين والاقتصاديين من مختلف أنحاء البلاد. هذه النخبة لا تمثل “المركز” ضد “الهامش”، بقدر ما تمثل نفسها ومصالحها، في مواجهة الغالبية التي جرى استبعادها من معادلة السلطة والقرار لعقود.

من هنا تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في الخطاب التقليدي حول المركز والهامش، لأنه يعجز عن تفسير ديناميات الصراع الحالية. الصراع لم يعد بين أقاليم مهملة وعاصمة متسلطة، بل بين دوائر نفوذ متصارعة داخل النخبة نفسها. وما يسمى بـ”قوات الدعم السريع” مثال صارخ على ذلك؛ فهي ميليشيا لا تحمل أي مشروع فكري أو سياسي واضح، وقد خرجت من رحم نفس النظام الذي تدّعي اليوم محاربته. فـ”حميدتي”، الذي يحاول تصدير نفسه كزعيم شعبي من الهامش، لم يكن في الحقيقة سوى أداة من أدوات السلطة طوال السنوات الماضية، قبل أن ينقلب على حلفائه القدامى طمعًا في توسيع سلطته.

إن النظام الذي تأسس بعد الاستقلال، لم يكن يومًا مشروعًا وطنيًا قائمًا على تنمية شاملة وعدالة اجتماعية، بل كان استمرارًا لهياكل الاستعمار البريطاني، التي كرست ضعف الدولة وفصلت بين النخبة والشعب. هذا النظام لم يسمح يومًا بتطوير قاعدة إنتاج صناعي حقيقي أو بناء مؤسسات فعالة، بل تموضع منذ نشأته داخل المنظومة الاقتصادية العالمية بوصفه دولة هامشية، تُستهلك مواردها الأولية لصالح دول المركز، وتُمنع فيها أي محاولات جادة للتصنيع أو تحقيق الاكتفاء الذاتي. فكلما ظهرت نية لتكرير النفط محليًا أو تصنيع الذهب، ظهرت الضغوط الدولية والإقليمية لإجهاضها، لأن السودان مطلوب منه أن يبقى خزانًا خامًا لا أكثر.

وفي هذا السياق، فإن السودان يُعد مثالًا نموذجيًا لنظرية التبعية، التي تفسر كيف تُبقي الدول الكبرى دول الجنوب في حالة من الاعتماد الدائم، عبر تقييد نقل التكنولوجيا، وإغراق الأسواق بالديون، وتحويل النخب إلى وكلاء لمصالح الخارج. وهكذا يُحرم السودان من فرصته للنهوض، لا بسبب ضعف الموارد، بل بسبب غياب الإرادة الوطنية والقيادة الرشيدة، إضافة إلى النظام الدولي غير العادل. لكن هذا لا يعني أن المصير المحتوم هو البقاء في ذيل التصنيفات العالمية. هناك نماذج لدول استطاعت أن تكسر الحلقة، مثل الهند التي وظفت عمالتها الرخيصة وتكنولوجيا الغرب لصالح بناء صناعات تنافسية، وانتقلت من دولة هامشية إلى شبه صناعية خلال عقود قليلة.

إن الطريق إلى الخروج من هذه الحلقة يبدأ من الداخل، عبر تفكيك النظام الأوليغارشي برمته، وليس مجرد تغيير وجوه داخل نفس البنية. المطلوب هو تأسيس عقد اجتماعي جديد، قوامه العدالة الاقتصادية والمشاركة السياسية والتنمية المتوازنة. فلا بد من الاستثمار في التصنيع المحلي، وتحويل الموارد الخام إلى سلع ذات قيمة مضافة، بدل تصديرها بأبخس الأثمان. كما لا بد من إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والشفافية، بعيدًا عن المحاصصات والانتماءات الضيقة. ويجب على السودان أن ينفتح على تحالفات إقليمية قائمة على المصالح المشتركة، مع دول تعاني من التحديات ذاتها، لتكوين قوة تفاوضية جماعية في وجه مراكز النفوذ العالمي.

الاستسلام لهذا الواقع المتخلف ليس قدرًا محتومًا. فالشعوب التي تدرك جذور أزماتها، وتمتلك وعيًا نقديًا بها، يمكنها أن تبني مستقبلًا مختلفًا. والسودان، رغم الحروب والمؤامرات، ما زال يحتفظ بثروة بشرية وطبيعية هائلة، إذا وُظفت بشكل صحيح، يمكنها أن تضع البلاد على سكة النهوض. المطلوب فقط هو إرادة حقيقية، وقيادة تحمل مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا يعيد إنتاج الخراب بل يؤسس لعدالة طال انتظارها.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات