الإثنين, أبريل 27, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارانتصارات عسكرية أم تمهيد لتقسيم البلاد ؟

انتصارات عسكرية أم تمهيد لتقسيم البلاد ؟

سودان تمورو:

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ السودان، يتشكل واقع جديد بين أنقاض الخرطوم وتخوم كردفان ودارفور. مشهدٌ تختلط فيه أصوات الانتصارات العسكرية بقلقٍ عميق على المصير الوطني، وتتصارع فيه بشراسة احتمالات النهوض والانقسام. فما يحدث اليوم في أرض النيلين ليس مجرد فصولٍ من صراع داخلي، بل إعادة رسم لحدود النفوذ بين مشروع الدولة ومشروع الميليشيا، بين جيشٍ يسعى لاستعادة الوطن، وقوةٍ متمردة قد تفضل الهروب نحو التقسيم على الاعتراف بالهزيمة.

الانتصارات الأخيرة للجيش السوداني في الخرطوم وأم درمان، إلى جانب طرد قوات الدعم السريع من ولاية النيل الأبيض، تمثل بلا شك تحولًا نوعيًا في مسار الصراع. لم تعد الميليشيا في موقع الهجوم، بل باتت في موقف دفاعي بائس، تتلقى الضربات وتفقد السيطرة على الأرض ومعها تفقد القدرة على المناورة السياسية. لكن النصر العسكري وحده لا يكفي. فكما في ليبيا، قد تنسحب هذه القوات نحو الجغرافيا التي تُجيد فيها القتال، وتستثمر فيها خطاب الهامش والمظلومية لتُعيد تدوير تمردها في شكل “حكومة موازية” تُقسم ما تبقى من السودان.

في هذا السياق، يبرز تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء كخطوة جريئة نحو مشروع التوافق الوطني. اختياره لم يكن فقط رسالة تطمين للداخل، بل أيضًا للفاعلين الدوليين الذين يبحثون عن شريك عقلاني قادر على إدارة مرحلة ما بعد الحرب. الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي رحبا بالخطوة، وكأنهما يعترفان بأن السودان بدأ يستعيد قراره السيادي. ولكن، وسط هذه الإشارات الإيجابية، تبقى المخاطر ماثلة. فالميليشيا، التي اعتادت الدعم الخارجي، قد تُقرر خوض حرب استنزاف طويلة، لا بهدف الانتصار، بل بهدف التدمير المتبادل وفرض واقع تقسيمي بقوة الأمر الواقع.

وهنا تتجلى مسؤولية المجتمع الدولي. فإن كان ما يحدث في السودان “حربًا بالوكالة”، كما وصفها وزير الخارجية الأمريكي، فإن على القوى الكبرى أن تختار بين دعم مشروع الدولة أو التواطؤ بالصمت مع مشروع التفتيت. فالدعم الإنساني لا يكفي، ولا التصريحات القلقة تشكل رادعًا. المطلوب الآن موقف حازم من العواصم المؤثرة، يضع حدًا لتدفق المال والسلاح إلى أطرافٍ تسعى لتحويل دارفور وكردفان إلى “بنغازي جديدة”.

الوضع الآن أمام سيناريوهين لا ثالث لهما.. إما انتصار كامل للدولة يعيد توحيد السودان، أو انزلاق نحو نموذج ليبي كارثي يبدأ بتعدد الحكومات ولا ينتهي إلا بتمزيق ما تبقى من الجغرافيا الوطنية. الأيام القادمة حُبلى بالمفاجآت، لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن زمام المبادرة عاد إلى الجيش، وأن الشارع السوداني، رغم الجراح، يلتف حول حلم الدولة الواحدة. نعم، قد تحاول الميليشيا المناورة أو التخفي خلف خطاب الهامش، لكنها فقدت تعاطف الداخل وغطاء الخارج، ولم يتبقَ لها سوى الانتحار السياسي في مناطق نفوذها.

في النهاية، يبقى الأمل معلّقًا على ثلاثة محاور.. توحيد الجبهة المدنية خلف حكومة تكنوقراطية لا تعيد إنتاج الفشل، تجفيف منابع الدعم الخارجي للميليشيا، والإسراع في مشاريع إعادة الإعمار التي تُعيد للمواطن ثقته بوطنه. فالسودان لا يحتاج فقط إلى نصر عسكري، بل إلى انتصار وطني شامل يعيد تعريف الحلم السوداني على أسس الوحدة، والعدالة، والسيادة الكاملة على القرار.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات