سودان تمورو:
لم يكن مشهد التوقيع في نيروبي سوى عرض جديد في مسرحية قديمة.. تقاسم الغنائم لا بناء الأوطان. فحين يتسابق القادة على المناصب قبل أن يُوقفوا نزيف الحرب يُصبح واضحًا أن “تحالف تأسيس” لا يملك مشروعًا وطنيًا بل مجرد اتفاق مصالح بين قوى السلاح. الخلاف الذي اندلع حول منصب رئيس الوزراء بين مكونات التحالف ليس تفصيلًا إجرائيًا بل فضيحة سياسية تكشف أن هذا التحالف لا يقوم على رؤية مشتركة بل على ميزان القوى بين الفصائل المسلحة وأن كل طرف يبحث عن نصيبه في كعكة تُخبز على نار الحرب.
ما الذي يمكن انتظاره من تحالف يجمع بين مليشيا متهمة بجرائم ضد الإنسانية وحركات كانت تصرخ من أجل “العدالة” وأحزاب تنادي بالديمقراطية؟ الإجابة.. لا شيء سوى التناقض والفوضى. فأن يُمنح حميدتي رئاسة مجلس رئاسي ثم تتصارع الأطراف على منصب رئيس الوزراء يعني أن ما يسمى “الميثاق التأسيسي” ليس أكثر من صفقة نفوذ تتخفّى خلف عبارات السلام والوحدة. وكيف يمكن لحكومة تُبنى في مناطق خارجة عن سلطة الدولة أن تدّعي تمثيل السودانيين وهي تُدار ببنادق الحلفاء وتُنسّق لهجمات عسكرية بدلًا من وقف إطلاق النار؟.
المؤتمر الذي استضافته نيروبي لم يكن منصة لصنع سلام بل سوق مساومات يُعرض فيه النفوذ السياسي مقابل الولاء العسكري. والتفاهمات بين الدعم السريع والحركة الشعبية شمال حول شن عمليات عسكرية مشتركة في كردفان تكشف بوضوح أن هذه “الحكومة المرتقبة” لا تنوي إنهاء الحرب بل استثمارها سياسيًا لتكريس واقع الانقسام. وكل ما يُقال عن “الوحدة والسلام” ليس إلا واجهة إعلامية لتحالف هش يخفي خلفه مشروعًا يتغذى على الصراع لا على التوافق.
التحالف نفسه يبدو جسدًا بلا روح. لا رؤية لا برنامج سياسي لا إجماع حقيقي. فقط رغبة في السلطة بأي ثمن. هذا ما يفسّر تهديد بعض المكونات بالانسحاب إن لم تُمنح المنصب الفلاني وكأن الأمر لا يتعلق بمستقبل شعب بل بحصص قوى عسكرية وسياسية ترى في الحرب وسيلة للوصول لا الاستثناء. وكلما تعثّر الإعلان عن هذه “الحكومة الموازية” تزداد قناعة السودانيين بأن ما يجري ليس إلا محاولة فاشلة لإعادة تدوير الفوضى في عباءة الشرعية الثورية.
السودان لا يحتاج إلى حكومة تتشكل في عواصم الجوار وتُدار من الميدان بل إلى مشروع جامع ينطلق من الداخل يُنهي الحرب لا يديرها ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة لا المحاصصة. لكن ما نراه اليوم هو العكس تمامًا.. تحالف يسعى لإنتاج سلطة بلا شرعية ويمنح نفسه الحق في تمثيل شعب لا يملك عنه تفويضًا ويمارس السياسة كما لو كانت معركة خنادق.
إن منطق السلاح إذا تسيد فلن يولّد دولة بل سلطات متنازعة تتكاثر وتتناحر. وما يجري اليوم باسم “تأسيس” هو امتداد لكارثة الحكم في السودان.. سلطة تُمنح للأقوى سلاحًا لا للأجدر رؤيةً. ومن يظن أن تشكيل حكومة جديدة بهذه الطريقة سيُنقذ البلاد إنما يُعيد تدوير الأزمة. فالمشكلة لم تكن يومًا في من يجلس على الكرسي بل في شرعية الكرسي نفسه.
السودان بحاجة إلى وقف شامل للحرب لا توزيع جديد للمناصب. بحاجة إلى حوار وطني جامع لا مؤتمرات منفى. بحاجة إلى بناء دولة لا تشكيل مليشيات بغطاء سياسي. وكل ما عدا ذلك ليس إلا تكريسًا لانهيار الدولة السودانية باسم تحالف لا يُؤسس إلا للمزيد من الخراب.
