خاص سودان تمور
في زمنٍ تتكاثف فيه التحديات على السودان، من حربٍ أنهكت الوطن إلى أوضاع إنسانية مأساوية، يبرز صوت العقل كالحل الوحيد الممكن لإنقاذ البلاد. وقد آن الأوان لأن تتحول لغة السياسة من لغة المواجهة إلى لغة التفاهم، ومن منطق الإقصاء إلى منطق الشراكة، لأن السودان ببساطة لم يعد يحتمل مزيداً من الانقسام أو الضياع.
وفي هذا الإطار، تفرض الضرورة الوطنية نفسها على الحكومة الانتقالية وعلى تحالف “صمود” كقوتين فاعلتين في المشهد السياسي، أن يجتمعا على مائدة واحدة. لا بد من حوار صريح ومسؤول يضع حدًا لحالة الاستقطاب الحاد، ويؤسس لتوافق حقيقي يراعي مصالح السودان العليا بعيداً عن الحسابات الضيقة والمواقف المسبقة.
تحالف “صمود”، كتيار سياسي مدني، له رؤيته في الأزمة وله جمهوره وموقعه ضمن القوى الفاعلة، ولا يمكن تجاهله إذا أردنا حلاً شاملاً. وهو ليس ذراعاً سياسياً لأي جهة عسكرية، بل يسعى لتقديم نفسه كجزء من الحل الوطني، وليس طرفاً في استدامة الأزمة. وفي المقابل، فإن الحكومة الانتقالية بقيادة الدكتور كامل إدريس، تمتلك شرعية وطنية ودولية، لكنها تحتاج اليوم إلى توسيع قاعدة التوافق، ومدّ اليد لكل من يمكن أن يُسهم في إنقاذ السودان من الكارثة.
إن الصراع الذي اندلع في السودان لم يُبقِ رابحاً، ولم يترك أمام أحد خيارات مريحة. ولذلك، فإن أي حديث عن “منتصر” في المشهد السوداني الحالي هو حديث عن وهم. لا غالب ولا مغلوب عندما يكون الوطن هو الخاسر. والمصلحة الوطنية اليوم تقتضي من الجميع تقديم تنازلات لمصلحة الكل، وبناء صيغة شراكة تحترم التعدد، وتعكس الإرادة الجمعية للسودانيين.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن المراهنة على الحل العسكري وحده لا تُنهي حرباً، ولا تُقيم دولة. كما أن الانغلاق السياسي لا يُنتج شرعية، بل يُفاقم العزلة. الحل الوحيد الممكن يبدأ من الاعتراف المتبادل، ثم الجلوس إلى طاولة الحوار الوطني على أساس..
الالتزام بوحدة السودان وسيادته.
رفض العنف والعمل على وقف إطلاق النار الدائم.
بناء سلطة مدنية انتقالية متوافق عليها تُعد لمرحلة ديمقراطية حقيقية.
وهنا، لا بد من مبادرة جادة تُطلقها الحكومة لإجراء لقاءات مباشرة مع تحالف “صمود”، يتم فيها مناقشة ترتيبات شراكة مرحلية، تُخرج البلاد من نفق الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة بروح توافقية، تضع معاناة الناس في المقام الأول.
لقد أدرك الشعب السوداني أن الانتقال إلى الدولة المدنية المستقرة لا يكون بالإقصاء، ولا بتكريس الانفراد، وإنما بشراكة تشمل جميع الأطراف المدنية، دون وصاية أو تخوين. وتحالف “صمود” مدعو لتحمل مسؤوليته في بناء هذه المرحلة بروح جديدة، تقوم على التعاون لا التنازع.
إن فتح قنوات التواصل، وتبادل الرؤى، وعقد لقاءات بين الفرقاء السودانيين، ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية ملحة. فالوطن الذي أنهكته الحرب، وجوّعته الأزمات، لن تعود له الحياة إلا إذا التقت إرادات صادقة تحت مظلة وطنية شاملة. وليس في ذلك خسارة لأحد بل مكسب للجميع.
فلنُعطِ السودان فرصة للحياة. ولنجعل من الحوار طريقاً للتوافق، لا ساحة لتسجيل النقاط. فكل نقطة دم سودانية أغلى من أي مكاسب سياسية، وكل لحظة تأخير في التفاهم هي خطوة إضافية نحو الانهيار.
السودان بحاجة إلى رجال دولة لا إلى خصوم سياسيين. إلى شركاء في البناء لا متنافسين على الخراب. ولعل اللحظة الآن ناضجة بما يكفي، لكي نجعل من “صمود” والحكومة الانتقالية معاً، نواة لمشروع وطني جامع، لا غالب فيه ولا مغلوب… بل وطن يتسع للجميع.
