خاص سودان تمورو
أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في السودان فتح باب التقديم للوظائف القيادية، في خطوة وُصفت بأنها تسعى لكسر إرث المحاصصة الحزبية والجهوية، واستبداله بمعيار الكفاءة والنزاهة. وعلى الرغم من أن الخطوة تحمل من حيث الشكل ملامح إصلاح حقيقي، فإن مضمونها وسياقها يفتحان الباب لتساؤلات جدية حول نواياها وآفاقها، ومدى قدرتها على تجنب إعادة تدوير رموز النظام القديم، تحت غطاء “الخبرة” و”الجدارة الأكاديمية”.
اللافت في الإعلان هو اشتراط درجة الماجستير كحد أدنى، وإجادة اللغتين العربية والإنجليزية، وسنوات خبرة لا تقل عن عشر سنوات، بالإضافة إلى عدم الانتماء الحزبي. هذه الشروط، وإن بدت معقولة في سياق بناء جهاز إداري محترف، إلا أنها تحمل في تفاصيلها بعض التناقضات الكامنة. فاشتراط عدم الانتماء الحزبي، مثلاً، يمكن استخدامه كذريعة لإقصاء شخصيات ذات سجل مهني نزيه ولكنها عبرت عن مواقف سياسية علنية. كما أن ربط الجدارة بمستوى أكاديمي معين قد يؤدي إلى استبعاد كفاءات وطنية مرموقة صقلتها التجربة والميدان أكثر مما صقلتها القاعات الدراسية.
ثمّة تساؤل مشروع هنا: من يحدد “الحياد”؟ وكيف تُقاس “الكفاءة”؟ وإذا كانت الخبرة معياراً حاسماً، فهل يُفتح الباب مجدداً أمام رموز المرحلة السابقة ممن كانوا في مراكز قيادية بالفعل، وخرجوا عبر أبواب الثورة فقط ليعودوا من نوافذ “الخبرة الإدارية”؟ الخطر الأكبر أن تتحول هذه العملية إلى قناع جديد لإعادة ترتيب المشهد البيروقراطي بما يخدم مصالح قوى بعينها، ولكن هذه المرة بإخراج أكثر أناقة تحت مظلة “التأهيل العلمي والنزاهة”.
رغم هذه الشكوك، لا يمكن إنكار أن فتح باب المنافسة العلنية على وظائف كانت حكراً على التعيين المغلق يُعتبر تحولاً نسبياً في العقلية الإدارية. هذه الخطوة، إن طُبّقت بنزاهة، قد تمنح فرصة حقيقية لعودة كفاءات سودانية ظلت مهمشة لعقود، سواء داخل البلاد أو في المهاجر، بسبب غياب الولاء السياسي أو القبلي. كما أنها تشكل رسالة بأن الدولة بدأت تتحسس طريقها نحو تأسيس جهاز إداري مهني مستقل، على الأقل نظرياً.
لكن ما يُثير القلق هو الغموض الذي يكتنف آليات التقييم والاختيار، وغياب المعلومات حول من يملك الكلمة الأخيرة في التعيين. فهل ستكون هناك لجنة تقييم مستقلة؟ ما الضمانات ضد تدخل الأجهزة الأمنية أو السياسية؟ وهل سيُتاح للرأي العام الاطلاع على نتائج التقديم وأسباب اختيار هذا أو ذاك؟ التجربة السودانية علمتنا أن النوايا وحدها لا تصنع إصلاحاً، وأن أي إعلان بلا شفافية وآليات رقابة ومحاسبة يتحول سريعاً إلى ورقة في مهب الريح.
السودان لا يحتاج فقط إلى فتح باب التقديم، بل إلى فتح باب الإصلاح الهيكلي الكامل. إعادة بناء الدولة يبدأ من إعادة تعريف الوظيفة العامة باعتبارها خدمة وطنية لا غنيمة سياسية، ومن إعادة الثقة في المؤسسات التي فقدها المواطن بفعل عقود من الفساد والمحاصصة. كل إعلان دون ذلك يظل خطوة شكلية، حتى يثبت العكس بالفعل لا بالبيانات.
ختاماً، فإن هذا الإعلان يشكل فرصة واختباراً في آنٍ معاً. فرصة لإعادة الثقة ببناء جهاز دولة محترف، واختباراً لصدق الحكومة في قطع الطريق على إعادة إنتاج القديم بلبوس جديد. النجاح هنا لن يُقاس بعدد الطلبات المستلمة، بل بعدد الكفاءات التي ستتولى فعلاً هذه المناصب، وبمدى قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية بعيداً عن الولاء والانتماء، وقريباً من المهنية والكفاءة والاستقلال. أما إن غابت الشفافية، وتحوّلت العملية إلى مجرد إعادة تدوير للنخبة التقليدية، فسنكون أمام عنوان عريض جديد… ومحتوى قديم مألوف.
