سودان تمورو
انتقل بالأمس 19 يوليو 2025 بروفسير يسن عمر يوسف إلى الرحاب العلية بعد حياة مهنية عامرة وبذل أكاديمي رفيع المستوى، وبعد أن جسد شخصية القانوني المِلهِم. والشخصية الملهِمة ظاهرة تطل بين حين وآخر في المجالات المهنية المختلفة، فهي لا تلعب الدور المطلوب منها وفق متطلبات الوصف الوظيفي المحدد لها فقط، وإنما تخلق نموذجاً قابلاً للاحتذاء بما تشعله من حماسها، وإخلاصها، وتأثيرها المتميز في محيطها، ووضعها بصمة في قلوب الناس وعقولهم قبل تقديم الخدمة المطلوبة منها.
يحكي بروفسير يسن عن نفسه أنه في بداية دراسته في الأولية كان يحرز درجات متأخرة ، فنادى ناظر المدرسة والده الذي كان عاملاً في السكة حديد وتم فصله على الهواء بين أقرانه. وحسب كلمات بروفسير يسن (الناظر طلب الوالد وأذكر هذه اللحظة أن الصفوف الأربعة في المدرسة كانت واقفة والناظر في النص ووالدي جاء لابس البردلوبة الملطخة بالزيت، فقال ليه يا عمر يوسف ياخ الولد دة ما بنفع وبعدين انت عندك ياخ عشر سبعة أولاد وثلاث بنات، والراجل دة ما نافع) .
مثل هذا الموقف كفيل أن يدمر أي شخص ويرمي به في غيابة الفشل، إلا أن بروفسير يسن صنع منه لحظة فارقة، فانتقل إلى سوق العمل الحر المتاح لأمثاله، فعمل تربالاً في المزارع وفراناً ومراسلة، وعندما واتت الفرصة مرة أخرى بفتح مدارس الإعدادية التي كانت تشرف عليها وزارة التعليم المصرية، قدم لها واجتهد في إبراز قدراته الكامنة فأحرز المرتبة الأولى على مستوى السودان مما حدا بوزير التعليم العالي المصري أن يمنحه جائزة له بلغت خمسة وعشرين جنيهاً، وكانت جائزة ضخمة في حينها. ومن ثم واصل سيرته في درجات التعلم إلى أن تخرج من جامعة القاهرة فرع الخرطوم.
بروفسير يسن من جيل القانونيين الذي تخرج في فترة الستينات وبذل جهده في التأليف والكتابة الأكاديمية مثل بروفسير محمد الشيخ عمر والقاضي هنري رياض سكلا، وكان بذلهم في هذا الجانب ثراً، وتنوعت كتابات بروفسير يسن في مجالات القانون العام بفروعه المختلفة التي غطت مجالات الإجراءات الجنائية والقانون الجنائي والقانون الإداري والقانون الدستوري وله عشرات الكتب المنشورة والمقالات الاكاديمية في المجلات القانونية.
تنوعت مجالات العمل المهني لبروفسير يسن فقد عمل محامياً في بداية حياته العملية، والتحق بمكتب أمين قرنفلي وهو أحد مكاتب المحاماة الرائدة في السودان، ثم عمل مستشاراً قانونياً بديوان النائب العام وقضى فيه معظم خدمته المهنية كما قضى فترة من الزمن قاضياً بالسلطة القضائية قبل أن يعود إلى ديوان النائب العام مرة أخرى ثم التحق بجامعة النيلين استاذاً للقانون العام وبلغ درجة الأستاذية فيها. وقد وفرت له فترة الممارسة المهنية للعمل القانوني فرصة لدمج الفكر الأكاديمي بالخبرة العملية في سوح القضاء والمحاماة. وأنعكس ذلك إيجاباً في كتاباته المختلفة التي زود بها المكتبة القانونية في السودان.
ومع أن بروفسير يسن ولج المجال الأكاديمي في فترة متأخرة نسبياً إلا أن بلاءه فيه كان كبيراً وكانت مؤلفاته مرجعاً للطلاب ومرجعاً للممارسة القانونية العملية فقد سكب فيها تجاربه وملاحظاته في الواقع العملي ونقل فيها معرفته بالواقع السوداني. وخلال هذه الفترة تخرج على يديه الآلاف من طلاب القانوني على مستوى البكالوريوس والعليا. كما ظل متمسكاً بدوره في التوعية القانونية باعتبارها مساهمة مجتمعية واجبة السداد، فله عدد من الحلقات القانونية المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي حول جوانب القانون المختلفة,
يمكن تصنيف بروفسير يسن ضمن سدنة المدرسة القانونية المصرية التي تمد جذورها في النظام الفرانكفوني، ويتضح ذلك من النظريات التي كثيراً ما ناقشها في كتبه والمراجع التي اعتمد عليها. وهو لا ينكر ذلك ويؤكده على الملأ، ويرى أن المدرسة الفرانكفونية أفضل من في كثير من جوانبها من مدرسة القانون العام التي أرسى دعائمها نظام الحكم الإنجليزي السودان، وظلت مرجعية أساسية للنظام القانوني في السوداني. وربما كان للبروفسير العذر في ذلك، فقد كانت تربيته القانونية في إطار هذا النظام منذ أن بدأ درسته الأولية في إطار الشهادة الإعدادية المصرية، ثم التحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم وتخرج فيها في العام 1964ونال الماجستير في القانون العام 1981 من جامعة عين شمس بمصر ثم الدكتوراة من ذات الجامعة عام 1984.
لم يتسن لي التلمذة على أيدي البروفسير يسن أو زمالته في التدريس وإنما التقيت به في مجالات تأهيل الخريجين لاجتياز امتحانات مهنة القانون والولوج إلى سوق العمل، وكانت هذه الفترة على قصرها كافية أن يلج منها بروفسير يسن إلى نفسي وكأني أعرفه منذ سنين، وأن أتعرف على جوانب عديدة من حياته خاصة الالتزام الأكاديمي الصارم ومحاولة الاستفادة إلى أقصى مدى من وقته فيما ينفع الناس.
داعبته ذات مرة حول حبه مصر و إقاماته الطويلة فيها، فرد عليَّ أن مصر تتيح له فرصة لا تعوض في التفرغ للكتابة والإنتاج الاكاديمي الأمر الذي لا يجده في أحايين كثيرة في السودان بحياته الاجتماعية الثرة والمجاملات التي تأخذ كثيراً من الوقت.
تميز الرجل بلطف المعشر ودماثة الخلق والترفع عن الصغائر ويقول عنه رفيقه بروفسير الحواتي ( تميز الرجل بالود واللطف مشبعا بالاعتدال بعيدا من الغلو واللغو سمح الخصال ينأى عن الصغائر عالماً في تواضع أشرف على الكثير من أطروحات الدكتوراة في جامعة النيلين وغيرها فكان نعم الموجه في علاقاته المميزة مع طلابه ما شجعهم على تقديم المفيد وأخذ علي يديه الاف من الدارسين علمي الدستوري والإداري فكانوا عنوانا واعدا في تلك الأصول)
سيظل غياب بروفسير يسن يشكل فراغاً عريضاً لسنوات فقد كانت قامته عالية وكان ظله ممدوداً لمدى بعيد على الأفق القانوني في السودان
