خاص سودان تمورو
محمد الأمين ترك، رئيس تنسيقية البجا والعموديات المستقلة، لم يعد مجرد سياسي متناقض، بل أصبح نموذجاً صارخاً لانتهازية تُفقد السياسة معناها. فالرجل الذي قال بالأمس إن “الاتفاق الإطاري أفضل من الحرب بستين ألف مرة”، عاد اليوم ليصرّح أن “اندلاع الحرب أفضل من الاتفاق بآلاف المرات”. أي عبث أكبر من هذا؟ وأي استخفاف بعقول السودانيين أشد من أن يبدّل السياسي مواقفه كما يبدّل ثوبه، غير مبالٍ بالدماء التي تُراق ولا بالوطن الذي يتمزق؟
ترك لم يكتفِ بإحراق رصيده السياسي عندما أغلق ميناء بورتسودان، شريان حياة ملايين السودانيين، بل ها هو يحاول اليوم أن يعوّض احتراقه بتصريحات نارية جوفاء، لا تحمل مشروعاً ولا رؤية سوى إثبات وجوده في عناوين الأخبار. إنه أشبه برجل غرق في هامش السياسة، فراح يشعل النيران حوله ليلفت الأنظار، غير مدرك أن النار التي يشعلها قد تحرق وطناً بأكمله.
الأخطر أن ترك يعكس عقلية بعض النخب السودانية التي لا ترى في الوطن سوى سلماً لمجدها الشخصي. فبدلاً من أن يكون الاتفاق السياسي ـ رغم عيوبه ـ خطوة قابلة للتطوير نحو تسوية، يفضّل أن يجرّ البلاد إلى جحيم الحرب التي لم تُبقِ ولم تذر. أي منطق هذا الذي يقدّم الخراب على الحوار؟ وأي زعيم ذاك الذي يضع نفسه فوق الشعب، ثم لا يتردد في أن يبارك دمار الشعب إذا لم يضمن مقعده في السلطة؟
الحقيقة أن ترك لم يعد رقماً سياسياً، بل عبئاً على الحياة العامة. فما يقوله اليوم ليس موقفاً وطنياً، بل صرخة يائس يبحث عن دور مفقود. ولئن كانت تصريحاته المتناقضة تكشف شيئاً، فإنها تكشف أن الرجل لم يعد يملك شيئاً ليقدمه سوى مزيد من الانقسام ومزيد من التحريض على الفوضى.
السودان لا يحتاج إلى أصوات تحرّض على الموت، بل إلى قادة يتحملون مسؤولية إنقاذه من الهاوية. ومن المؤسف أن أمثال ترك يظنون أن مكانتهم تُبنى على حساب دماء الأبرياء، بينما مكانتهم الحقيقية في التاريخ ستكون في خانة من خانوا الأمانة، وساهموا في إطالة عمر المأساة.
إن ما يقوله ترك ليس رأياً سياسياً، بل طعنة في ظهر الوطن. والسودان أكبر منه، ومن كل من يرى السلطة غاية والحرب وسيلة. ومن لم يتعلم بعد أن لا سبيل لبقاء السودان إلا بالحوار والتنازلات، فليتذكر أن الشعب سيحاسب، وأن التاريخ لا يرحم.
