خاص سودان تمورو
في لحظة فارقة من عمر السودان المضطرب، جاء إعلان وزير الدفاع الفريق أول ركن حسن داؤد كبرون كرسالة حاسمة إلى الداخل والخارج على حد سواء: الدولة قررت أن تستعيد هيبتها المهدورة، وأن تُعيد ضبط ميزان العلاقة بين الجيش والمجتمع، بين السلاح والمدن، وبين الانضباط والفوضى. القرار القاضي بمنع حمل السلاح في الأسواق والأحياء ومع بائعات الشاي، وضبط العسكريين في تحركاتهم وظهورهم بالزي الرسمي، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان عن تحول في فلسفة إدارة الأمن داخل الخرطوم، بل وربما في السودان كله.
لقد طال الخرطوم ما طالها من عبث السلاح، وتحوّل المشهد اليومي فيها إلى صورة مقلوبة لدولة يُفترض أن يكون جيشها رمزًا للهيبة والالتزام، فإذا به يُرى متناثرًا في الشوارع بلا نظام، حاملاً السلاح خارج ساحات الواجب، ومرتديًا زيه العسكري في أماكن لا تليق إلا بالمدنيين. هذا الانفلات لم يكن يضر فقط بصورة المؤسسة العسكرية، بل كان يهز ثقة المواطن في معنى الدولة نفسها، ويجعله يرى أن السلاح لم يعد بيد القانون، بل تسرب إلى تفاصيل حياته اليومية.
القرار بلا شك خطوة شجاعة، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تُتبع بإصلاح أعمق: إخراج المقار العسكرية من قلب المدن. فالمكان الطبيعي للثكنات ليس بين الأسواق والمساكن، بل في أطراف المدن أو خارجها. ذلك أن وجودها داخل المدن لا يعرّض حياة المدنيين للخطر فحسب، بل يخلط بين الفضاءين المدني والعسكري بطريقة مشوهة تُعيق عودة الحياة الطبيعية وتغذي أجواء التوتر.
إن إعادة ضبط حضور الجيش في المشهد العام لا تعني عزله عن المجتمع، بل على العكس، تعني إعادته إلى مكانه الطبيعي: حامي الوطن وحارسه على الحدود، لا مراقبًا للمدنيين في الأسواق أو منافسًا لهم على المجال العام. والزي العسكري، بقدسيته ورمزيته، يجب أن يُرى حيث يليق به فقط، لا حيث يُفقد معناه ويتحوّل إلى صورة باهتة.
إننا أمام لحظة اختبار حقيقي: إما أن تُطبق هذه القرارات بصرامة وشفافية، فتنقل رسالة الثقة للمواطن وتثبت أن الدولة استعادت زمام المبادرة، أو أن تتحول إلى وعود إضافية سرعان ما تذوب في زحام الفوضى. المسؤولية جسيمة، لكن الفرصة متاحة لإعادة بناء علاقة جديدة بين المواطن ومؤسسات الدولة، علاقة أساسها الاحترام والانضباط لا الفوضى والاستعراض.
إن استعادة هيبة الدولة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط وجودها ذاته. والقرار الأخير ليس نهاية الطريق، لكنه بداية ضرورية إذا ما أُحسن تنفيذه وتُبع برؤية استراتيجية لإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية. آن الأوان أن تعود الدولة إلى طبيعتها، وأن يعود الجيش إلى ثكناته، لتنهض الخرطوم من تحت ركام الفوضى وتستعيد ملامحها كعاصمة لدولة تستحق الحياة.
هل ترغب أن أوجّه المقال أكثر ليكون له نَفَس تعبوي يخاطب الجماهير مباشرة، أم تفضّل أن يبقى في إطار تحليلي رصين يخاطب النخبة وصنّاع القرار؟
