سودان تمورو:
في مشهد يعيد إنتاج تناقضات الحرب والسلام في دارفور، برز الاتفاق بين مجلس الصحوة الثوري بقيادة موسى هلال والقوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني كتطور يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من إجابات. فبينما يُطرح الاتفاق في بيانات رسمية تحت عناوين براقة مثل فتح الأسواق، تأمين الطرق، ومكافحة الجريمة، فإن جوهره الحقيقي يختبئ في حسابات آنية ومخاوف وجودية، لا في رؤية استراتيجية لمستقبل الإقليم.
موسى هلال، الذي يصفه البعض بالحليف المتقلب، لا يزال يحمل إرثًا مثقلًا بدماء دارفور وملفات مفتوحة في الذاكرة الدولية بوصفه متهمًا بممارسة التطهير العرقي. ومع ذلك، يجد نفسه اليوم في موقع يمكّنه من إعادة بناء قوته العسكرية تحت لافتة الشرعية، مستفيدًا من حاجة الجيش السوداني إلى كل ورقة يمكن أن تُضعف الدعم السريع. هو في جوهر الأمر يلعب لعبة البقاء، ويعرف كيف يعيد تموضعه دون أن يخسر رصيده القبلي أو يورط نفسه في حرب تستنزفه أمام أبناء عمومته.
أما القوة المشتركة، فهي تدخل بهذا الاتفاق في مأزق أخلاقي وسياسي خطير. فكيف يمكن لحركات رفعت شعارات الثورة والعدالة والإنصاف أن تتحالف مع رجل ارتبط اسمه بالمجازر والتشريد؟ صحيح أن المنطق العسكري قد يفرض أحيانًا تنازلات ظرفية، لكن التاريخ لا يرحم، وسيُكتب أن هذه الحركات وقّعت في لحظة ضعف على صفقة مع من كان خصمها وعدوها الأول. لقد انزلقت في مستنقع الأخلاق، وربما منحت خصومها فرصة ذهبية لتشويه مشروعها أمام الداخل والخارج.
يقول خال الغلابة أن اللقاء لا يمكن عزله عن زيارة حميدتي الأخيرة لمحيط الفاشر واجتماعاته مع بعض قيادات المحاميد. ذلك التزامن يوحي بأن ما يجري ليس مجرد تحالف ضد “الدعم السريع”، بل جزء من خيوط لعبة أكبر، قد تكون “الخطة ب” لتأمين مجتمعات بعينها في حال تبدلت موازين القوى. فدارفور ليست ساحة معركة تقليدية، بل صحراء واسعة متداخلة مع ليبيا وتشاد، وأي تحرك عسكري فيها قد يفتح جبهات جديدة أو يغلق أخرى، بحسب المصالح القبلية والإقليمية.
هذا الاتفاق أشبه بهدنة مؤقتة بين خصوم الأمس، يمكن أن تنفجر في أي لحظة عند أول خلاف على الغنائم أو النفوذ. هو تحالف هش لا يعالج جذور الأزمة في دارفور: غياب الدولة، انعدام العدالة، وتسيّد منطق الميليشيات على حساب المؤسسات. ما يحتاجه الإقليم ليس مزيدًا من التكتلات العسكرية المتقلبة، بل مشروع مصالحة شامل يعيد بناء الثقة، ويفتح الطريق أمام دولة القانون لا دولة السلاح.
السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل سيُكتب لهذا الاتفاق أن يكون بداية لتسوية سياسية أوسع، أم أنه مجرد فصل جديد في مسرحية الدم التي يكتبها الفاعلون أنفسهم منذ عقدين؟ الإجابة ستأتي لا من بيانات الصحافة، بل من الميدان حيث تُرسم الخرائط بالبارود والدموع.
