سودان تمورو
عند الامتحان يكرم المرء او يهان ؛ عبارة شاع استخدامها وفى بعض ما تعنيه ما هى النتائج التى يخرج بها الشخص – طبيعى او اعتبارى – من الاختبار ؛ وليس بالضرورة طبعا مايتبادر الى الذهن عن الامتحانات الدراسية والاكاديمية فهذه وان كان فيها بعض الشئ من هذا الامر ؛ لكنها حتما اقل الموارد التى يمكننا القول انها محل تطبيق هذا القول ؛ ومن الواضح ان المواقف عند المحكات الحاسمة والضرورية هى التى تبين صدق الادعاء من كذبه ؛ وليس هناك ادعاء عند الغربيين بشكل عام اكبر من قولهم انهم الاكثر حرصا على حماية الحريات والدفاع عنها ؛ ولا شك ان هذا محض افتراء ؛ يشهد الواقع المعاش بتكذيبه ؛ ولا مجال للقول بان الغربيين يحترمون الانسان كانسان وحقه فى التعبير وحريته فى الادلاء برايه واظهار مواقفه ؛ فالغربيون بشكل عام ومؤسساتهم الرسمية بالذات سقطت سقوطا مريعا فى اختبار الحريات والمصداقية ؛ بل ادمنت السقوط حتى لم يعد كثيرمن الناس يحفل بما تردده من زعم باحترامها الحريات.
ومن اجلى واضح مصاديق افتضاح الغرب وبيان كذب زعمه احترام الحريات قضية فلسطين كاختبار حقيقى سقط فيه كثير من الغربيين ؛ وتبين للعالم اجمع مدى الزيف والخداع الذى يحاولون ان يغلفوا به بعض مواقفهم بخصوص هذه القضية لكن الناس باتت واعية بالامر ؛ وحتى بين الجمهور فى الغرب هناك من ادرك كذب مؤسساتهم ؛ ولم تعد السردية السائدة طوال العقود الماضية عن الصراع فى فلسطين ؛ لم تعد هذه السردية – التى تتوافق مع رؤية اسرائيل وامريكا – هى السائدة والمسيطرة على الساحة فى الغرب ؛ وقد تغيرت رؤى الكثير من الغربيين ومواقفهم وهم يكتشفون كذب مؤسساتهم ويفضحون زيف ادعائها.
مؤسسة اعلامية رائدة وراسخة فى العمل الاعلامى كالبى بى سى مثلا تضيق بتعبير احد موظفيها عن رايه فى قضية ؛ وليس الامر كذلك وحسب ؛ اذ لم يقف عند هذا الحد وانما طردت موظفها ؛ الذى بتعبيره عن رايه المخالف لرغبات مؤسسته قد تجاوز الحد ولم يعد يستحق البقاء فى عمله حسب تقدير ادارة المؤسسة التى تتحدث عن الحريات والحق فى التعبير عن الراى ؛ ومع ان هذا الموظف ادى ويؤدى عمله بشكل مهنى ؛ وليس هناك ما يتعارض بين عمله وتعبيره عن رايه ؛ او بالاحرى ليس هناك من ضير ان يصدح الشخص برايه طالما لا يتعارض هذا مع عمله ؛ ومن حق الشخص ان يقف الموقف الذى يريد ؛ ويعبر عن رايه بالشكل الذى يريد ؛ ويختار المضمون الذى يشاء طالما ان ذلك لا يتعارض مع اداء عمله ؛ وليس من المطلوب اطلاقا توافق الشخص فى الموقف والرؤية مع مؤسسته وادارته والزملاء فى محيط العمل ؛ فلكل شخص الحق فى اختيار الموقف الذى يريده ؛ لكن البى بى سى – كغيرها من المؤسسات فى الغرب – خرجت عن القواعد الديموقراطية ؛ وتحولت الى جهة تمارس الاستبداد والظلم ؛ وهى بهذا العمل انما تدين نفسها .
فى الاخبار ان البى بى سى قامت بطرد احد موظفيها بسبب منشور له عن غزة ؛ والتهمة جاهزة الا وهى معاداة السامية
ولم يكن الصحفي المصري مُهاد الشرقاوي يتوقع أن فيديو قديم نشره قبل عامين، يوثق ضربات حماس لإسرائيل، سيقف عقبة أمام وظيفته الجديدة التي اجتاز جميع مراحلها بنجاح في هيئة الإذاعة البريطانية .
فبعد اجتياز الامتحان التحريري والمقابلات الرسمية أمام أربعة من مدراء الشبكة، وحسم موعد استلام مهامه كـ«سينيور بروديوسر» لبرنامج درس من مكتب القاهرة، جاءه القرار الصادم: اتهام بمعاداة السامية، وسحب عرض العمل، ثم إنهاء تعاقده الحالي كمنتج حر لبرنامج «بتوقيت مصر».
الشرقاوي أوضح في منشور عبر صفحته على فيسبوك أنّ القصة بدأت حين قامت نائبة رئيس تحرير البرنامج في لندن، وهي عربية الجنسية، بالبحث في حسابه الشخصي المغلق على فيسبوك، لتجد فيديو قديمًا نشره في أكتوبر 2023 يوثق ضربات حماس ضد إسرائيل، في وقت لم يكن فيه موظفًا لدى بى بى سى.
الفيديو أُرفق بسكرين شوت وأُرسل إلى إدارة لندن، ليبدأ بعدها مسلسل العقوبات: أولًا سحب عرض الوظيفة، ثم في اليوم التالي إنهاء تعاقده الحالي
عبّر الشرقاوي عن صدمته من قرارات مؤسسة وصفها ببيته الثاني، خاصة أنه عمل داخل BBC لأكثر من خمس سنوات (2015–2019) كصحفي إذاعي، بروديوسر برامج، قارئ نشرات ومراسل، دون أي شكوى مهنية أو شخصية.
وتساءل: هل من مبادئ المؤسسة أن تقوم زميلة – ضمن قائمة أصدقائي – باختراق خصوصيتي ونقل منشوراتي المغلقة إلى الإدارة؟ وإذا كان أدائي لا يتماشى مع قيمها، فهل لم تُثبت سنوات عملي الخمس داخلها مهنيتي بما يكفي؟.
القضية أعادت إلى الواجهة سجلًا مثيرًا من الشكاوى التي تلاحق BBC في التعامل مع ملف الحرب الإسرائيلية على غزة.
فخلال الشهور الماضية، واجه عدد من موظفيها، بينهم صحفيون عرب وبريطانيون، تحقيقات لمجرد الإعجاب أو التعليق على محتوى يناصر الفلسطينيين.
وفي أكتوبر 2023، كُشف أنّ بعض الصحفيين تلقوا تحذيرات داخلية بسبب التفاعل مع محتوى يصف ما يحدث في غزة بأنه جرائم حرب.
وفي فبراير 2024، نشرت تقارير عن ضغوط إدارية متزايدة على مراسلي BBC العرب في لندن والشرق الأوسط للحفاظ على لغة محايدة ، وصلت أحيانًا لحد التحقيق في منشورات قديمة على تويتر وفيسبوك.
منشور الشرقاوي أثار تضامنًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث علق زملاؤه وأصدقاؤه بعبارات دعم وتمني فرص أفضل والبعض اعتبر ما حدث ظلمًا فجًا وخسارة مهنية للمؤسسة قبل أن تكون خسارة شخصية.
والبعض الآخر عبر عن أزمة ثقة متفاقمة بين الصحفيين العرب العاملين في المؤسسة وإدارتها، خاصة مع استمرار اتهامات متكررة بأن BBC تتعامل بصرامة مع أي محتوى يُعتبرمؤيدًا لغزة، بينما تتساهل مع تغطيات أو آراء تميل للرواية الإسرائيلية.
هذا نموذج من نماذج المؤسسات الغربية التى يمثل موضوع فلسطين اختبارا لها يبرز سقوطها الاخلاقى والمهنى والقانونى ؛ والبى بى سى بهذا التصرف تضع نفسها فى خانة الكاذبين الساقطين الذين لايستحقون احتراما ولا متابعة ولا اعجابا بها.
