الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباركفى مزايدات يا شيخ حمد.. السودان يعرف من عبث به!

كفى مزايدات يا شيخ حمد.. السودان يعرف من عبث به!

سودان تمورو:

لم يكن مستغرباً أن يطل الشيخ حمد بن جاسم، وزير الخارجية القطري الأسبق، في إطلالة إعلامية مثيرة للجدل ليصب جام غضبه على قيادة الجيش السوداني، متهماً إياها بـ”تدمير السودان” وتحميلها وزر الانهيار السياسي والإنساني. فالخطاب جاء بلهجة حادة، لكنه افتقر إلى ما يجعل النقد مقنعاً: النزاهة في قراءة السياق، والاعتراف الصريح بمسؤولية جميع الأطراف دون استثناء.

السودان ليس مسرحاً محلياً مغلقاً، بل هو عقدة مشتبكة في صراع إقليمي ودولي طالما كان الشيخ حمد نفسه أحد اللاعبين فيه. ولعل أكثر ما يثير السخرية في حديثه هو تجاهله لما اعترف به هو شخصياً في السابق: أن قطر وحلفاءها أنفقوا مليارات الدولارات لإسقاط النظام السابق في سوريا وبعض نظم المنطقة. كيف يستقيم إذن أن يندد اليوم بنتائج الخراب، متناسياً أنه ساهم في هندسة مقدماته؟ أي منطق يقبل أن يكون الناقد شريكاً في التدخل ثم متعالياً في الإدانة؟

إن اختزال أزمة السودان في “خطيئة الجيش” وحده لا يعدو أن يكون قراءة بتراء، لأن الكارثة السودانية هي حصيلة تداخل معقد بين فشل النخب السياسية، وتغوّل المؤسسة العسكرية، وتدخلات خارجية لا ترحم. نقد الجيش وحده، دون الإشارة إلى الأيادي الإقليمية التي غذّت الحرب وزرعت الانقسام، ليس سوى انتقاء متعمد للحقائق يخدم خطاباً سياسياً أكثر مما يخدم الحقيقة.

لو كان الشيخ حمد صادقاً في حرصه على السودان، لأدار وجه النقد نحو عواصم الخليج التي تنافست على النفوذ في أرض النيلين، ولنبّه جيرانه إلى أن التدخلات العابثة لا تجلب سوى الخراب. لكنه آثر أن يحصر السهام في الجيش وحده، ناسياً أن بعضاً من نار الحرب الحالية أُوقدت بوقود الأموال والتحالفات الإقليمية التي عرفها عن قرب.

السودان اليوم لا يحتاج إلى محاضرات انتقائية، بل إلى خطاب مسؤول يعترف بتعدد المسؤوليات. إن النقد الحقيقي لا يوجَّه من مقعد مرتاح بعيد عن دخان المعركة، بل يبدأ من مراجعة الذات والاعتراف بما ارتكبته الأيادي من أدوار سابقة. أما النقد الانتقائي فهو مجرد حلقة أخرى في مسلسل المزايدات الذي يدفع ثمنه الشعب السوداني.

ولذلك فإن كلمات حمد بن جاسم، مهما بدت قاسية، تظل مجرد صدى لنبرة انتقائية تفتقر إلى المصداقية الأخلاقية. السودان لا ينتظر من يتبارى في توزيع اللوم، بل ينتظر من يساعد على فتح أبواب حوار وطني شامل، يحرر القرار السوداني من قبضة الداخل الفاشل ومن عبث الخارج المتربص. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بجرأة، بعيداً عن ازدواجية الخطاب ومسرحيات النقد المثقوب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات