سودان تمورو:
يواصل نادي آرسنال الإنجليزي محادثاته مع هيئة السياحة الرواندية “Visit Rwanda” بشأن تمديد عقد الرعاية الذي يجمع الطرفين منذ عام 2018، في خطوة تعكس رغبة النادي في الحفاظ على أحد مصادره التجارية الثابتة، رغم الجدل المتصاعد حول هذه الشراكة. وبحسب تقرير نشرته شبكة “The Athletic”، فإن العلاقة التجارية بين آرسنال و”زوروا رواندا” بدأت قبل سبعة أعوام عبر صفقة لرعاية ذراع القميص لكل من فريقي الرجال والسيدات، وتم تجديدها في عام 2021. وتشير البيانات المالية للنادي خلال موسم 2023-2024 إلى أن هذه الشراكة تدر على آرسنال عشرة ملايين جنيه إسترليني سنويًا، من أصل إجمالي عائدات تجارية بلغت 218.3 مليون جنيه.
انتقادات جماهيرية
ورغم المكاسب المالية، تواجه هذه الشراكة انتقادات حادة من جماهير النادي ونشطاء حقوق الإنسان، الذين يعتبرون أن آرسنال يساهم في تحسين صورة حكومة رواندا المتهمة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. جماعة “مدفعجية من أجل السلام”، وهي إحدى مجموعات مشجعي النادي، نظّمت احتجاجًا في أبريل الماضي ضد الصفقة، ووصفت تجديدها بأنه “وصمة أخلاقية” في تاريخ آرسنال. وجاء في بيانهم أن “بايرن ميونيخ تحلّى بالكرامة ورفض أموال رواندا”، مشيرين إلى أن “90 في المئة من جماهير آرسنال يقولون لا”، وأن قبول الإدارة لهذا المال مجددًا “يثبت أن قيم النادي وتاريخه معروض للبيع”.
خلفية سياسية
يرأس رواندا الرئيس بول كاغامي، المعروف بولائه لنادي آرسنال، والذي يقود البلاد منذ أكثر من عشرين عامًا تحت راية حزب الجبهة الوطنية الرواندية. لكن تقارير صادرة عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” لعام 2023 تشير إلى أن الحزب الحاكم يواصل حملات ممنهجة ضد المعارضين السياسيين الحقيقيين والمفترضين، وتؤكد أن أكثر من 12 عضوًا من المعارضة يقبعون في السجون بتهم تعتبرها المنظمة “ملفقة”. هذه الاتهامات الحقوقية تضع الشراكة التجارية بين آرسنال ورواندا تحت مجهر الانتقادات الدولية، خاصة في ظل تزايد الدعوات إلى فصل الرياضة عن الترويج السياسي.
تداعيات دبلوماسية
في فبراير الماضي، علّقت الحكومة البريطانية مساعداتها إلى رواندا بسبب دعمها المزعوم لميليشيات تنشط في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما زاد من حدة الجدل حول علاقة آرسنال التجارية مع كيغالي. هذه التطورات السياسية والدبلوماسية أثارت تساؤلات حول مدى ملاءمة استمرار النادي الإنجليزي في شراكة تجارية مع جهة تُتهم بدعم أنشطة عسكرية غير مشروعة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات الرياضية لتبني مواقف أخلاقية أكثر وضوحًا في علاقاتها الدولية.
توسع دعائي
في المقابل، تواصل رواندا توظيف الرياضة كمنصة دعائية عالمية، حيث أعلنت “زوروا رواندا” في الأسبوع ذاته الذي تسربت فيه أنباء مفاوضات آرسنال، عن توقيع اتفاقيات رعاية جديدة مع فريقي “لوس أنجليس كليبرز” لكرة السلة و”لوس أنجليس رامس” لكرة القدم الأميركية، وكلاهما مملوك لرجل الأعمال الأميركي ستان كرونكي، مالك نادي آرسنال. كما تحتفظ رواندا بشراكة قائمة مع نادي أتلتيكو مدريد الإسباني، في حين قرر نادي بايرن ميونيخ الألماني في أغسطس الماضي تحويل علاقته التجارية مع رواندا إلى تعاون في تطوير كرة القدم عبر أكاديمية النادي في العاصمة كيغالي، في خطوة اعتُبرت محاولة للابتعاد عن الشراكة الدعائية المباشرة.
حضور سياسي
الرئيس الرواندي بول كاغامي كان قد حضر العام الماضي مباراة جمعت آرسنال وبايرن ميونيخ في دوري أبطال أوروبا على ملعب الإمارات، وذلك بعد لقائه رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ريشي سوناك، حيث ناقشا ملفات الأمن الإقليمي والشراكة المثيرة للجدل بشأن ترحيل طالبي اللجوء من بريطانيا إلى رواندا. هذا المشروع توقف رسميًا بعد تولي حكومة حزب العمال السلطة في يوليو 2024، لكنه ظل حاضرًا في النقاشات السياسية التي تربط كيغالي بلندن، ما ألقى بظلاله على العلاقة التجارية بين آرسنال وهيئة السياحة الرواندية.
سؤال أخلاقي
ورغم الفوائد المالية التي تحققها صفقة “زوروا رواندا”، فإن إدارة آرسنال تجد نفسها أمام سؤال أخلاقي محوري: هل يمكن لنادٍ يفاخر بقيمه النبيلة وتاريخه العريق أن يستمر في علاقة تجارية تُتهم بتبييض سمعة نظام سياسي مثير للجدل؟ هذا التساؤل لا يقتصر على جماهير النادي، بل يمتد إلى الأوساط الإعلامية والحقوقية التي تراقب عن كثب كيف تتعامل المؤسسات الرياضية الكبرى مع مسؤولياتها الأخلاقية في ظل العولمة التجارية المتسارعة.
