الأحد, مايو 10, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمستشفى عطبرة.. حين صمتت أصوات الإسعاف ودوّى الرصاص!

مستشفى عطبرة.. حين صمتت أصوات الإسعاف ودوّى الرصاص!

خاص سودان تمورو

لم تكن عطبرة مساء الأمس سوى مرآة دامية تعكس عمق الأزمة السودانية بكل تشظّياتها الأمنية والاجتماعية والسياسية. جاء في تقرير الصحفي الاستقصائي محمد خليفة المعروف بخال الغلابة أن خلافا عابرا أمام مستشفى عطبرة، بدأ بملاسنة كلامية حول طريق مغلق، وانتهى بجثثٍ ممددة على الأرض ودماء سالت في باحة منشأة يفترض أن تكون رمزاً للحياة لا ميداناً للموت. حادثة مستشفى عطبرة لم تكن مجرد مشهد عابر في زمن الحرب، بل كانت صرخة مدوية ضد فوضى السلاح، وضد غياب هيبة الدولة، وضد تعدد السلطات حتى داخل أسوار مؤسسة علاجية يفترض أن تظل آمنة ومحصنة من نزق العسكر.

ثلاثة من أفراد القوات المشتركة، مسلحون كما لو أنهم في جبهة قتال، يزورون زملاءهم في المستشفى. عند البوابة رقشة صغيرة تعيق المرور، يقودها عنصر من جهاز الأمن والمخابرات الوطني. كلمة بكلمة، ترتفع الأصوات، يتدخل عنصر التأمين، ثم شقيق أحد الأطراف، فتتحول الشرارة إلى لهب، وتتعالى فوهات البنادق داخل ممرات العلاج. الرصاص يتطاير، وأجساد تسقط، وضابط ومواطنون يفقدون حياتهم في لحظة عبثية تختصر فوضى وطن بأكمله.

المأساة لم تبدأ من عطبرة، ولن تنتهي بها. إنها نتيجة طبيعية لوضع مختلّ تُرفع فيه البنادق فوق القانون، ويُعامل فيها السلاح كامتياز شخصي لا كمسؤولية. إنّ أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الحرب المشتعلة في الأطراف، بل الحرب الصامتة داخل المدن، حين يحمل كل فصيل أمنه وسلطته في جيبه، ويتحوّل الخلاف البسيط إلى تصفية دموية.

ما حدث في عطبرة يُظهر ثلاثة أمراض مزمنة تنهش الجسد السوداني. أولها فوضى السلاح التي جعلت حمل الكلاشنكوف أمراً عادياً في الأسواق والمستشفيات والشوارع، حتى صار صوت الرصاص جزءاً من ضجيج الحياة اليومية. ثانيها تعدد الكيانات المسلحة التي تتقاسم النفوذ داخل المدن، في غياب قيادة مركزية وهيبة دولة تفرض الانضباط على الجميع. وثالثها ثقافة الحصانة والإفلات من العقاب، حيث يظنّ كل مسلح أنه فوق المحاسبة طالما يحمل هوية جهة نظامية.

إنّ هذه الحادثة تفرض على الدولة والمجتمع وقفة جادّة لا مجاملة فيها. القرار السيادي بمنع المظاهر المسلحة في الخرطوم خطوة ناقصة ما لم يُعمم فوراً على كل ولايات السودان دون استثناء. المدن ليست ساحات حرب، ولا ينبغي أن تسير فيها عربات محمّلة بالسلاح بين المدنيين. كذلك لا بد من حصر القوات المشتركة والحركات المسلحة في معسكرات تدريب محددة أو في خطوط التماس، وترك الأمن الداخلي للشرطة والجيش فقط، فهما المؤسستان اللتان تمثلان الدولة لا الفصائل. أما جهاز المخابرات العامة، فعليه أن يعود إلى دوره المهني الصامت، لا أن يظهر في الشوارع بمظاهر النفوذ والسلطة، فعمله يقوم على المعلومة لا على المواجهة.

دماء عطبرة ليست رقماً في نشرة الأخبار، بل وصمة على جبين كل مسؤول تهاون في ضبط فوضى السلاح، وكل قائد سمح بأن تُرفع البنادق في وجه القانون. إن من لا يرى في هذه الحادثة نذيراً بانفلات شامل، لم يفهم بعد أن هيبة الدولة لا تُبنى بالبيانات، بل بالانضباط والمحاسبة والتجريد من الامتيازات التي تصنع الكوارث.

لقد سقط في عطبرة شهداء لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم في قلب صراع عبثي بين سلطات متنازعة. رحمة الله على أرواحهم، وشفاء عاجل للجرحى. وليكن ما حدث جرس إنذار لا يُطفأ صوته حتى يُعاد للسلاح مكانه الطبيعي: في الثكنات، لا في المستشفيات، ولا في شوارع الوطن.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات