الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالهدنة الإنسانية.. صوت العقل في زمن الرصاص!

الهدنة الإنسانية.. صوت العقل في زمن الرصاص!

سودان تمورو:

في وطنٍ أنهكته الحرب حتى العظم، يطلّ صوتٌ عاقل وسط هدير البنادق، يدعو إلى التروي والتفكر، لا إلى الغلبة والانتقام. إنها دعوة القيادي بالكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، الذي وصف الأنباء المتداولة بشأن الهدنة الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر بأنها “إيجابية” — كلمة صغيرة بحجمها، كبيرة بمعناها، تفتح نافذةً للإنسانية وسط جدار الصمت والدم.

إن ما قاله أردول ليس انحيازًا لطرفٍ دون آخر، بل انحيازٌ لوطنٍ أنهكته المجازر والدموع. فالجيش، خلال عامين ونصف من القتال، لم يتمكن من وقف تدفق الإمدادات للمليشيا، كما لم تستطع الحرب أن تحسم ميزان القوة. لذلك فإن الخوف من استفادة المليشيا من الهدنة ليس سوى تكرار لوهمٍ استمر طويلًا، بينما يمكن للقوات المسلحة ذاتها أن تجعل من هذه الهدنة فسحةً لإعادة ترتيب صفوفها، ومعالجة جرحاها، وتدريب مقاتليها. الهدنة ليست خسارة عسكرية، بل فرصة إستراتيجية لمن يملك الانضباط والتنظيم.

لكن المعركة الأهم ليست في ميادين القتال، بل في ضمائر القادة. حين يدعو أردول إلى النظر في أحوال المدنيين، فهو لا يتحدث بلغة السياسة، بل بلغة الإنسانية التي تتجاوز كل حسابات الربح والخسارة. إن وضع النفس مكان سكان بابنوسة أو الأبيض أو الدبة هو الامتحان الأخلاقي الحقيقي لأي مسؤول. من يعيش وسط الركام والجوع والمرض لا يطلب سوى يومٍ بلا قصف، وساعة راحة من الخوف. تلك هي الهدنة التي تستحق أن تُسمّى “إنسانية”.

الهدنة أيضًا ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فهي بوابة نحو استئناف التفاوض وإحياء الأمل في الحل السياسي. لا يمكن لحربٍ كهذه أن تنتهي إلا بحوارٍ وطني صادق، ولا يمكن للحوار أن يبدأ إلا في مناخٍ يسمح بالتنفس. لذلك فإن الدعوة إلى تشكيل آليات رقابة واضحة للجانبين العسكري والإنساني هي خطوة ضرورية لضمان ألا تتحول الهدنة إلى استراحة محارب، بل إلى رصيف عبور نحو السلام.

إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الشعارات ولا مناورات القوة، بل جرأة الاعتراف بأن استمرار الحرب عبثٌ لا يُبقي للوطن سوى الرماد. على الجميع أن يتركوا المرارات الشخصية والمصالح الحزبية الضيقة جانبًا، وأن يرفعوا المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فالسودان لا يحتاج إلى من ينتصر في المعركة، بل إلى من ينتصر للعقل وللحياة.

الهدنة ليست ضعفًا، بل شجاعة من نوعٍ مختلف؛ شجاعة أن تقول كفى. شجاعة أن تضع حياة المدنيين قبل حسابات السلاح. شجاعة أن تختار الإنسانية في زمن الجنون.

فهل يسمع صُنّاع القرار نداء العقل قبل أن يُغلق التاريخ صفحته الأخيرة على وطنٍ أنهكته الحروب؟.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات