خاص سودان تمورو
عندما تُرفض الهدنة، وتُغلق أبواب السلام، يبدأ مسلسل الدم والدمار من جديد. فرفض إيقاف إطلاق النار ليس قرارًا عابرًا أو موقفًا سياسيًا يمكن تجاوزه، بل هو حكم قاسٍ على ملايين السودانيين الذين لا يريدون سوى أن يعيشوا في أمان. في كل مرة تُرفض فيها فرصة للسلام، تُفتح أبواب جديدة للمآسي، وتزداد خريطة السودان اشتعالًا واتساعًا في رقعة الحرب.
عسكريًا، فإن ما جرى بعد سقوط الفاشر لا يبشر بخير. تحرر الآلاف من مقاتلي الدعم السريع الذين كانوا يحاصرون المدينة يعني أن جبهات جديدة ستشتعل. فهذه القوات يمكن أن تتوجه إلى الأبيض أو بابنوسة أو حتى الدبة في الشمال، لتتسع رقعة الحرب من جديد. وإذا حدث ذلك، لا قدر الله، فإن الأمور ستخرج عن السيطرة، وقد يعود الخطر إلى العاصمة الخرطوم. بهذا الشكل، يتحول النصر في معركة واحدة إلى وقودٍ لجولات جديدة من القتال. وكل خطوة عسكرية تُتخذ بعيدًا عن طاولة التفاوض تقرب البلاد من حافة الانهيار الكامل.
لكن الجانب العسكري، مهما كان خطيرًا، يظل جزءًا من المأساة. فالحقيقة الكبرى هي أن الكارثة الحقيقية إنسانية قبل أن تكون سياسية أو عسكرية. الناس في الأبيض والفاشر وبارا وكادقلي يعيشون وضعًا يفوق حدود الاحتمال. لا ماء، لا غذاء، لا دواء، والمستشفيات عاجزة عن استقبال الجرحى. الأطفال يتضورون جوعًا، والنساء يبحثن عن مأوى بعدما فقدن بيوتهن، والرجال يقاتلون فقط من أجل لقمة العيش. من يرفض الهدنة يشارك، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذه المأساة اليومية.
الرفض المتكرر للسلام ليس شجاعة ولا موقفًا وطنيًا، بل هو فقدان للبصيرة وضمور في الإحساس بالمسؤولية. هناك من يرى في استمرار الحرب وسيلةً للحفاظ على نفوذه أو مصالحه الخاصة، فيغضّ الطرف عن آلام الناس، وكأن الدم السوداني صار بلا قيمة. هؤلاء يتحملون مسؤولية أخلاقية وتاريخية لا يمكن إنكارها. فالحرب ليست أداة للربح أو وسيلة لتصفية الحسابات، بل لعنة تصيب الجميع دون استثناء.
إن من يرفض الهدنة يرفض أيضًا بقاء الوطن متماسكًا. فالحروب الطويلة تُفتّت الدول، وتزرع الكراهية، وتفتح الباب أمام مشاريع التقسيم. وما كان يُقال همسًا عن نوايا تقسيم السودان بات اليوم خطرًا واضحًا. هناك قوى خارجية وإقليمية تستفيد من استمرار الصراع وتعمل على إطالة أمده. وكلما اشتعلت الجبهات، ضعفت الدولة، وابتعد حلم الوحدة.
الهدنة ليست ضعفًا، بل شجاعة. وهي ليست تنازلًا، بل بداية طريق لإنقاذ ما تبقى من وطنٍ أنهكته الحروب. السلام ليس مطلبًا للنخب فقط، بل هو رغبة الناس البسطاء الذين تعبوا من الفقد والدمار. كل قطرة دم تُراق، وكل بيت يُهدم، وكل طفلٍ يُيتم، هي وصمة عار في جبين من يرفض الحلول السلمية.
وعلى الشعب السوداني أن يرفع صوته عاليًا، ليقول كفى. كفى حربًا وكفى دمارًا. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست بين جيشٍ ودعم سريع، بل بين من يريدون بقاء السودان وطنًا واحدًا، ومن يريدون تمزيقه لمصالح ضيقة.
التاريخ لن يرحم، والضمير الإنساني لن يغفر. سيُذكر دائمًا أن هناك من رفضوا الهدنة، وأصروا على أن تبقى النار مشتعلة في بيوت الأبرياء. سيُذكر أنهم اختاروا الحرب بدل السلام، والدم بدل الحياة.
اللهم احفظ السودان وأهله، واجعل السلام أقرب من الحرب، والعقل أقوى من الطمع، والوطن أغلى من كل مصالح زائلة.
