سودان تمورو
لم يعد الإصلاح القانوني مجرّد جهد تشريعي يصدر بتوجيهات الجهات ذات السُّلطة، بل مسار مؤسسي متكامل يقوم على تحليل علمي للتشريعات النافذة، ورصد مواطن الخلل فيها بدقة، والنظر في إمكانات تطويرها بما يلبّي الاحتياجات الحقيقية للناس على أرض الواقع. ويعتمد هذا النهج على إشراك أصحاب المصلحة بصورة واعية في تحديد أولويات الإصلاح، وعلى متابعة الأثر الفعلي للقوانين بعد تطبيقها، والاستفادة من الملاحظات المتراكمة خاصة في أعمال المحاكم لتحسين التشريعات وتطويرها بصورة مستمرة، حتى تكون أكثر فاعلية وعدلاً وملاءمة للسياق الوطني.
ضرورة الإصلاح القانوني
بالنظر لآلية إصدار القوانين وتطويرها في النظام السوداني فإنها تتطلب إصلاحاً جدياً بغرض الإسراع في تطوير الإصلاح وجودة مخرجاته. فالألية المعمول بها حالياً تشير بوضوح إلى أنها في حاجة إلى تعديل جوهري ـ فعلى سبيل المثال فإن كثير من تشريعاتنا السارية الآن صدرت منذ مطلع القرن الماضي ولم تعد مضامينها متماشية مع التطور الذي لا زم حياة الناس خلال أكثر من مائة وعشرين عاماً. فمثلاً لا يزال السودان محكوماً بقانون ناحتي الأختام لسنة 1903 وهو قانون ينظم مهنة نحت الأختام ويضع الضوابط لها، في حين أنها مهنة تغيرت أوضاعها عن الحال التي كان عليها عام 1903عندما كان الختم وسيلة رسمية للاثبات تدل على صاحبها، وتغير الوضع وأصبح من الممكن أن يصنع كل شخص ختماً في أي مكتبة. وقس على ذلك قانون المال الضائع والمتروك لسنة 1905، الذي وضع بصورة أساسية ليحكم المال الضائع والمتروك في السكة الحديد في حين أن مفهوم المال الضائع والمتروك يتطلب نظرة أشمل تغطي كافة المناحي التي يوجد فيها مال ضائع أو متروك. وكثير من التشريعات التي عفا الزمن على مضامينها ولم يعد لها اثر في واقع الناس.
كما أن كثيراً من منظومة القوانين إجرائية، ولم تتضمن قواعد موضوعية كافية، ومن ذلك القوانين التي تحكم العمل التجاري والتي صدرت خلال حقبة الثلاثينات من القرن الماضي دون أن تجري دراسة حقيقية لتطويرها وتضمينها الأحكام الموضوعية اللازمة بما في ذلك قانون الكمبيالة لسنة 1917 ، وقانون تسجيل أسماء الأعمال لسنة 1931 وقانون تسجيل الشراكات لسنة 1933، وعدد من القوانين الأخرى رغم الأهمية البالغة لهذه القوانين في حياة الناس.
وقد صدرت بعض القوانين إلا أنها من ناحية عملية ليس لها أثر ولكنها لا تزال سارية مثل قانون الشركات العامة (منح الامتيازات) لسنة 1969، و قانون حماية الأطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة 2020 الذي تغطيه التشريعات الجنائية المنظمة. إضافة إلى بعض القوانين التي صدرت متضمنة بعض أوجه القصور أو الخلل الذي قلل من فعاليتها، فمثلاً صدر قانون الشركات لسنة 2015 ونص على صدور اللائحة (أ) واللائحة (ب) كلوائح مرفقة مع القانون نظم جانباً مهماً وهو لائحة تأسيس الشركة وتعتبر هذه اللوائح مكملة للوائح الشركة في حال عدم وجود لائحة خاصة بالشركة التي يتم تسجيلها، إلا أن قانون الشركات لسنة 2015 صدر ولم تصدر معه هذه اللوائح مما أوجد ضعفاً تشريعياً في هذا الجانب. ومثال آخر أيضاً قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لسنة 2021 والذي نص على أن تكون شركة المشروع شركة شخص واحد، في حين أن قانون الشركات السوداني لسنة 2015 لا يعرف هذا النوع من الشركات ولم يحدد له أحكاماً خاصة مما يخلق تحدياً حقيقياً في تنفيذ قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويمكن تتبع عشرات أوجه القصور في القوانين الحاكم التي تتطلب دراسة متعمقة لتطويرها.
آلية الإصلاح عبر لجنة تنسيقية مؤهلة
عملية الإصلاح القانوني لا تقوم به وزارة العدل وحدها كجهة قانونية وإنما يتعين أن يشترك فيه المختصون بالتنسيق لإعداد دراسات الجدوى القانونية والفنية، التي تحدد أوجه الضعف في القانون وأوجه التطوير المطلوب، وهذه عملية فنية تتطلب اتباع أسس التطوير بما في ذلك معرفة حاجات المتعاملين والدراسات المقارنة التي تعين على أفضل الأساليب التي أخذ بها العالم من حولنا، إضافة إلى أراء المعنيين الذي يمكن أن يؤثر فيهم القانون
ولكثير من الدول لجان دائمة للإصلاح القانوني تعمل على التطوير المستمر بصورة علمية بعيداً عن التوجيهات الطارئة لأهل السياسة. ومن هذ الدول الولايات المتحدة حيث توجد لجان دائمة للإصلاح القانونية على مستوى الولايات لأغراض دراسة مشاريع التشريعات وتطوير القائم منها قبل تقديمه للجهات المختصة بالاجازة. ومنها أيضاً جنوب أفريقيا التي تتولى فيها لجنة مراجعة القوانين مهام الإصلاح التشريعي المستمر واقتراح القوانين اللازمة وعدد كثير من الدول الآخرى التي أخذت بهذه الآلية.
وسائل إصدار القوانين في الوضع الراهن
بالنظر لقانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017 فقد اوكل مهمة مراجعة القوانيين و إصلاحها لتمثل التعبير الأمثل عن قيم العدالة للسيد وزير العدل كما أنه الذي يتولى دراسة وصياغة مشروعات القوانين وسائر التدابير التشريعية في الدولة، ولم تبين التشريعات الصادرة وسيلة تنفيذ هذه المهام، كما لم تصدر لائحة تنفيذية واضحة تحدد كيفية إصدار التشريعات، ومن ناحية عملية كانت الوزارة تعهد أحياناً إلى بعض المختصين بإعداد مشروعات القوانين، كما كانت تقوم باعداد مسودات التشريعات من خلال مستشاريها، أو تتقدم بعض الوحدات الحكومية بمشروعات قوانين. وبالطبع فإن عدم وجود آلية جهة خاصة لها خطة اصلاح واضحة يجعل مهمة الإصلاح القانوني للتشريعات نفسه أمراً عشوائياً يجب معالجته لأغراض منهجية الإصلاح وكفاءته.
قانون الطبعة المراجعة للقوانين السودانية لسنة 1974
استشعر المشرع من وقت مبكر الحاجة إلى مراجعة القوانين من حين لآخر لتفادي الأثر الماحق لمرور الزمن على التشريعات فصدر قانون الطبعة المراجعة للقوانين السودانية لسنة 1974 والذي منح وزير العدل عدد من الصلاحيات من بينها أن يقوم من وقت لآخر بمراجعة وإعداد طبعة مراجعة للقوانين المعمول بها، وإجراء أي تنسيق أو تغيير في أي قانون يكون ضرورياً أو لائقاً كنتيجة لأى تغيير في الأوضاع الدستورية أو لإعادة التنظيم الإداري المترتب عليها، وأن يدمج في قانون واحد أى قانونين أو أكثر يتعرضان لنفس الموضوع مع التعديلات الضرورية التي يقتضيها الحال وأن يحدد التاريخ المناسب لسريان القانون الموحد. ومثل هذه الصلاحيات كانت مناسبة في تاريخها لاعتبارات الضرورة، أما حكم الوقت فيقتضي أكثر من وجود طبعة مراجعة باستحداث لجنة دائمة للدراسة والمراجعة والتنقيح.
حجر الزاوية في الإصلاح القانوني
حجر الزاوية في أمر الإصلاح القانوني من ناحية مؤسسية هو وجود لجنة دائمة تضم عدداً مقدراً من أهل الاختصاص تعنى بتنسيق الجهود لدراسة القوانين والقيام بالبحوث اللازمة للتطوير وأن تكون صاحبة السلطة الأساسية في إعداد مشروعات القوانين ويستحسن أن تكون هذه اللجنة مستقلة وفق المنهجية التي سارت عليها كثير من النظم القانونية وحققت نجاحاً ملحوظاً في هذا الجانب.
