سودان تمورو:
هل يحق لمصر قانونيًا التدخل عسكريًا في الحرب الجارية في السودان و هل تفكر فعلا في ذلك و متى تتدخل وكيف ؟
أليس ما يحدث في السودان ، يُصنَّف حرب أهلية داخلية، وليس عدوانًا خارجيًا حتى تتعاضد لتجدته الجارة الكبرى ام أن السودان أصبح قضية أمن قومي مصري ؟!
الاطار العام.
في مارس 2021 ، وقّعت السودان ومصر “اتفاقية للتعاون العسكري” وتغطي “مجالات التدريب، وتأمين الحدود، ومواجهة التهديدات المشتركة”، وسبقها “اتفاق للدفاع المشترك” وقّعها البلدان عام 1976 لمواجهة التهديدات الخارجية .
هذه الاتفاقية تؤطر استراتيجيا العلاقات بين القاهرة و الخرطوم و هكذا من المفروض ان تكون ، و لكن تفعيلها أمر اخر ، و لعل السياق الداخلي في السودان يتمظهر كإمتحان موضوعي للاتفاقية في ظل متغيرات المرحلة .
البناء .
يؤثر السلوك الاثيوبي على طبيعة الأداء المصري حيث لم تقف أديس أبابا في الحياد ، وانما صبت الزيت علي النار أو هكذا يرى قطاع واسع من السودانيين بسبب خطط إثيوبيا في دعم ما يسمى بقوات الدعم السريع ، و هو ما حرك القاهرة للتموقع قبل فوات الأوان.
وما زيارة الرئيس السوداني لمصر الا مؤشر كاف على هذه الحقيقة.
ان نحن أمام لعبة امم مفتوحة و لا مجال للقاهرة أن تتخلى عن عمقها الاستراتيحي و الوحودي عرضة لاستهداف قوى خارجية ، في تهديد مصيري للدولة المصرية المحاطة بازمات في الجوار بشكل ممنهج يتطلب مقاربة استباقية من طرف القاهرة .
في هذا الاطار ، تتزامن زيارة البرهان إلى القاهرة مع تصاعد المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدة مناطق من السودان، لا سيما في ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، حيث تشهد المنطقة اشتباكات عنيفة أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الأسابيع الماضية.
وبحسب معطيات ميدانية، تسيطر قوات الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس غرب السودان، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، في حين يفرض الجيش السوداني نفوذه على معظم الولايات الأخرى، بما فيها العاصمة الخرطوم.
عاصمة لا تريد مصر ان تخرج مرة أخرى عن سيطرة الدولة و تسقط بين ايدي قوى معادلة لمصالحها .
هنا السيسي يرسم خطوطا حمراء لجميع المتدخلين في دولة كان جزء من بلده قبل 1956.
وتوصف دائما العلاقات المصرية السودانية بأنها أزلية، وتاريخية، حيث تعود إلى عصر الدولة الفرعونية القديمة والوسطى والحديثة، ثم الحكم اليوناني عام 332 ق.م، فالبطلمي 323 ق.م ـ 30 ق.م، ثم الحكم الروماني عام 30 ق.م. حيث مدت مصر القديمة صلاتها وتفاعلها السياسي والحضاري إلى المناطق الجغرافية الجنوبية.. وفي العهد الروماني دخلت المسيحية إلى المناطق السودانية أو الجنوبية على أيدي المضطهدين الأقباط الفارين من قسوة الرومان من مصر، ثم على أيدي الرومان والبيزنطيين، وقد انتشرت المسيحية حتى القرن السادس الميلادي واعتنق أهلها المذهبان الملكاني واليعقوبي، وامتد ذلك حتى غزو الرومان للجنوب.
بعد فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عام 20 هـ / 640م، إنساب المسلمون ناحية المناطق الجنوبية من مصر، وأثمر ذلك عن قيام الممالك الإسلامية في هذه المناطق ..لكن يبقى العامل المهم في أن حركة الإسلام في الجنوب، كان لها أثرها في تهيئة الواقع للمرحلة التي جاءت بعد أكثر من ألف عام ، وهي دخول الوالي محمد على باشا ” السودان تحت السيادة العثمانية الإسمية، ففي 1805 وبداية القرن التاسع عشر تولى محمد علي باشا الحكم في مصر فعمل على نقل مصر من مجرد ولاية عثمانية إلى باشوية وراثية تحت السيادة الإسمية للعثمانيين ومستقلة عن الدولة العثمانية فعلياً.
وفي عام 1820، قام محمد علي باشا بدخول الاراضي السودانية وتمكن في الفترة من 1820 ـ 1823م، وعن طريق حملاته العسكرية من القضاء على الممالك القائمة وإدخالها في قيادته ، وبدأ من هذا التأريخ تأسيس الوحدة السياسية لوادي النيل في ظل الدولة الحديثة.
بعد دخول محمد علي باشا إلى السودان، أطلق المصريون اسم السودان على كل تلك المناطق حتى اليوم .
الحقيقة.
و اليوم ، التساؤلات قاتمة حول طبيعة التحركات المصرية المستقبلية في الأزمة السودانية، واحتمالات اللجوء إلى الخيارات العسكرية، بعد الموقف اللافت بتحديد «خطوط حمراء» للحفاظ على «وحدة السودان»، وكذلك التلويح بـ«اتفاقية الدفاع المشترك»، وذلك في ظل وضع ميداني معقد جراء الحرب المستمرة منذ ما يزيد على 3 سنوات. و لكن ؟
الخيار العسكري يبقى مستبعداً خاصة وأن لغة البيان المصري دفاعية بالأساس، وإن كانت تحمل لغة مغايرة عن الخطابات الدبلوماسية التي حرصت مصر عليها منذ اندلاع الحرب، وتبقى تقديرات استخدام الأساليب الخشنة متروكة وفقاً لحسابات عديدة يصُعب تقديرها الآن.
خاصة و ان مصر تواجه تحديات جيواستراتيجية معقدة و كل خطوة تحسب بطريقة براغماتية .
ان مصر لديها هدف رئيسي يتمثل في :
1.وقف إطلاق النار .
2.إدخال المساعدات .
3.االحفاظ على وحدة السودان،
و هذه العناصر الثلاثة هي محددات عقيدة مصرية جوهرها : أن السودان امتداد استراتيجي للأمن القومي المصري ولن تسمح مصر بأن ينقسم إلى دويلات، وبالتالي فإن الهدف دفاعي في المقام الأول.
واضح ان قواعد اللعبة معقدة في إطار الأوضاع الإقليمية في منطقة حوض النيل و منطقة القرن الأفريقي، و المرتبطة بالأمن القومي على مستوى الأمن المائي اساسا ، و هنا فيه تقاطع مصالح و صراع قوى شديد .
فعلى الرغم من أن القاهرة لم تتخذ منذ مستهل الاحتراب السوداني اي إجراءات على أرض الواقع لدعم أي من الأطراف المتصارعة و كانت حذرة رغم قلقها الشديد ، إلا أنها اتهمت إثيوبيا في بيان شديد اللهجة صادر عن وزارة الخارجية في 31 ديسمبر 2020 بمواصلة ممارسات عدائية مستمرة ضد محيطها الإقليمى في إشارة إلى الهجمات الإثيوبية على الأراضى السودانية، و من هذه الخلفية طرحت القاهرة مقاربتها للسودان .
الخلاصة .
تتسم العلاقات المصرية السودانية ، بمجموعة من الصفات التي تميزها وترسخ منها وتمنحها الصلابة في مواجهة المتغيرات.
هي في الأصل ترجمة للعديد من العوامل التاريخية و الجغرافية و الدينية و الثقافية و الرمزية و القيم المشتركة للعيش و التنمية و الاستقرار بين بلدين هما بلد واحد بطبيعته فهل تنتصر هذه الطبيعة الثابتة على السياسة المتغيرة ،؟.
آفريكا نيوز
