الأحد, مايو 3, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارأدوار الخليج المركّبة في السودان.. بين هاجس البحر الأحمر وشهية الهيمنة

أدوار الخليج المركّبة في السودان.. بين هاجس البحر الأحمر وشهية الهيمنة

سودان تمورو:

في فلسفة التاريخ لا تسقط الدول دفعة واحدة بل تتآكل ببطء حتى تبلغ “لحظة الحقيقة” التي ينكشف فيها وهن البنيان. عند تلك اللحظة لا تعود الجغرافيا ملاذاً آمناً بل تتحول إلى عبء ثقيل إذ يتدافع اللاعبون الكبار لترميم الجدار المائل لا حباً في الطين بل خوفاً من أن ينهار السقف فوق رؤوس الجميع. هكذا يبدو السودان اليوم.. عملاقاً جريحاً يقف عند تقاطع النيل والبحر الأحمر وقد تحوّل من جسرٍ يربط العرب بالأفارقة إلى مسرحٍ تتقاطع فوقه أعقد صراعات النفوذ في القرن الحادي والعشرين.

لم يكن أحد يتصور أن بلداً بحجم السودان الذي طالما قُدِّم بوصفه سلة غذاء العالم العربي وأحد أعمدة الأمن الإقليمي سيغدو خريطة جائعة يفرّ منها أبناؤه كما لو كانوا يهربون من قدرٍ أعمى. فحروب الجنرالات أنجزت ما لم تنجزه موجات الجفاف ولا تقلبات الطبيعة؛ أكثر من ثلاثين مليون إنسان باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية فيما يواجه نحو خمسة وعشرين مليوناً مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. وعلى طرق اللجوء يمتد طابور المنفيين قسراً من دارفور إلى تشاد وجنوب السودان ومصر حيث اقتُلع أكثر من أحد عشر مليون شخص من بيوتهم بينهم ما يزيد على ثلاثة ملايين عبروا الحدود لاجئين أو طالبي لجوء في ما تصفه منظمات دولية بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم.

هذا الانهيار ليس نتاج حرب داخلية معزولة بل هو فصل من فصول التنافس الجيوسياسي في الإقليم. فالسودان بجغرافيته القلقة وثرواته المفتوحة على النهب بات ساحة جذب لدول قريبة وبعيدة ترى فيه ما يتجاوز حدوده الوطنية. العرب هنا ليسوا طارئين على أرض النيل بل متداخلون في تاريخها ومساراتها من ليبيا المنهكة بحروب السيطرة إلى مصر القلقة على أمنها القومي من قوس لهب يمتد من غزة شمالاً مروراً بغربها وصولاً إلى خاصرتها الجنوبية السودانية.

لفهم هذا المشهد لا بد من العودة إلى جذور “الاقتصاد السياسي” للأزمة. فعندما انفصل جنوب السودان عام 2011 خسر الشمال نحو 75 في المئة من موارده النفطية أي عموده الفقري المالي. تهاوت تحويلات المغتربين من أكثر من ثلاثة مليارات دولار في نهاية العقد الأول من الألفية إلى أرقام هامشية بعد سنوات قليلة تاركة خزينة الدولة شبه خاوية. في المقابل ظل السودان يطفو على بحر من المعادن وعلى رأسها الذهب ليصبح ثالث أكبر منتج له في أفريقيا في مفارقة فادحة بين وفرة الموارد واتساع رقعة الجوع.

غير أن هذه الثروة لم تتحول إلى رافعة تنمية بل إلى وقود حرب. فالدولة فقدت السيطرة على عشرات الآلاف من مواقع التعدين وتحوّل جبل عامر منذ سنوات إلى مركز ثقل يعيد تشكيل الصراع في دارفور حيث حلت حرب الموارد محل النزاعات القبلية التقليدية. تشير تقديرات غير رسمية إلى تهريب أكثر من ستين في المئة من إنتاج الذهب بخسائر سنوية قد تصل إلى سبعة مليارات دولار تتبدد داخل شبكات عابرة للحدود. هذا الذهب المهرّب صنع اقتصاداً موازياً ومهّد لخصخصة العنف ومنح قوات الدعم السريع استقلالاً مالياً واستراتيجياً نادراً حوّلها من قوة مساندة إلى جيش موازٍ قادر على تمويل حربه بعيداً عن ميزانية الدولة.

في قلب هذا المشهد تتبدى أدوار الخليج بوصفها أدواراً مركبة لا يمكن اختزالها في ثنائية الخير والشر. فالمملكة العربية السعودية تتحرك في السودان انطلاقاً من حسابات أمنية واستراتيجية تتجاوز الداخل السوداني ذاته. أمن البحر الأحمر يشكل هاجساً مركزياً للرياض لا سيما في ظل مشاريع عملاقة مثل نيوم وسواحل البحر الأحمر السياحية ما يجعل استقرار الضفة الغربية للبحر ضرورة استراتيجية. كما تسعى السعودية إلى ترسيخ موقعها وسيطاً إقليمياً قادراً على إدارة النزاعات مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع أطراف الصراع في مسعى يهدف إلى منع انفلات الفوضى إلى فضائها الحيوي.

في المقابل تبدو الإمارات وقد اختارت مساراً أكثر خشونة وتعقيداً حيث يتداخل النفوذ الاقتصادي مع الحسابات العسكرية. فاستثماراتها في الزراعة والموانئ والبنية التحتية لا تنفصل عن شبكة مصالح مرتبطة بالذهب والموانئ والممرات التجارية. وتلاحقها اتهامات متكررة بتقديم دعم مباشر لقوات الدعم السريع عبر مسارات تمويل معقدة وشركات أمنية خاصة ما جعلها لاعباً مثيراً للجدل في الصراع يسعى إلى تحويل حضوره الاقتصادي إلى نفوذ سياسي وعسكري طويل الأمد. في هذا السياق لا يُنظر إلى الدور الإماراتي بوصفه محاولة استقرار بل كرهان على إعادة تشكيل السودان بما يخدم مصالح ضيقة حتى لو كان الثمن تفكيك الدولة.

هكذا يجد السودان نفسه بين مطرقة الترميم الجيوسياسي الذي تقوده قوى تخشى على أمنها الإقليمي وسندان الصدام الاقتصادي الذي يغذي الحرب ويطيل أمدها. فالجوع بات سلاحاً والنزوح تحوّل إلى قدر جماعي والدولة تراجعت إلى حدودها الدنيا. ويبقى السؤال مفتوحاً هل تستطيع دول الخليج الانتقال من موقع اللاعب في الصراع إلى موقع الفاعل في السلام؟ أم أن تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية سيظل أقوى من أي إرادة لوقف الانهيار؟

ما هو مؤكد أن السودان بثقله التاريخي وتنوعه الإنساني وموارده الهائلة يستحق أكثر من أن يكون رقعة شطرنج في لعبة الأمم. إن إنقاذه لن يكون ثمرة صفقات عابرة ولا وساطات شكلية بل نتيجة رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة وتعيد الاعتبار لشعب يدفع ثمن حروب لم يخترها ولجغرافيا لم تعد تحتمل مزيداً من اللعنات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات