سودان تمورو:
يعود السودان مجددا إلى واجهة الاهتمام الدولي مع شروع أطراف دولية في التحضير لعقد مؤتمر إنساني دولي في واشنطن مطلع الشهر المقبل، يهدف إلى دعم البلاد عبر “صندوق السودان الإنساني”. ورغم أن هذا التحرك يبدو في ظاهره استجابة لإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إلا أنه يكتسب دلالات أعمق عند وضعه في سياقه الزمني والميداني، لا سيما مع تزامنه مع تصعيد عسكري لافت في إقليم كردفان، ودخول الجيش السوداني مدينة الدلنج بعد حصار طويل أسفر عن أوضاع إنسانية خانقة. وبينما تتركز الأنظار على حجم الدعم العاجل الذي قد يقدّمه المؤتمر للمدنيين، يطرح هذا المسار تساؤلا جوهريا حول حدوده وجدواه: هل يمثّل بداية مقاربة دولية أكثر وعيا بخطورة ما يجري في السودان، أم يندرج ضمن نمط استجابات إنسانية تقليدية أخفقت سابقا في إحداث تغيير ملموس علـــى الأرض؟
يأتي التحضير لعقد مؤتمر دولي إنساني حول السودان في وقت تُصنَّف فيه الأزمة السودانية ضمن أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” في أفريل 2023. فقد أدت الحرب إلى انهيار واسع في البنى التحتية والخدمات الأساسية، وتسببت في نزوح ملايين المدنيين داخليا وخارجيا، وسط تحذيرات أممية متكررة من مخاطر المجاعة وتفشي الأوبئة، في ظل محدودية الوصول الإنساني إلى مناطق النزاع النشط.
وتندرج هذه المبادرة ضمن سلسلة تحركات دولية سابقة سعت إلى احتواء التداعيات الإنسانية للنزاع، عبر آليات التمويل الطارئ والمؤتمرات الدولية، دون أن تُفضي إلى اختراق سياسي حاسم يضع حدا للقتال. ويُنظر إلى “صندوق السودان الإنساني” كأداة رئيسية لتجميع الدعم الدولي، غير أن فعاليته ظلت مرتبطة، خلال الفترة الماضية، بمدى القدرة على تجاوز العوائق الأمنية واللوجستية التي تعيق وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر تضررا.
ضمن هذا الإطار، يقدّم عبد الناصر سلم حامد، خبير النزاعات في مركز الأبحاث فوكس بواشنطن، قراءة مزدوجة لطبيعة التحضير للمؤتمر، معتبرا في تصريحه لـ”الأيام نيوز” أن هذا المسار “يمكن قراءته من زاويتين متكاملتين”. فمن جهة، يعكس المؤتمر “إقرارا دوليا متجددا بخطورة الوضع الإنساني في البلاد”، ويتيح فرصة لحشد التزامات مالية وسياسية لصالح المدنيين، بما يشير إلى تنام نسبي في الوعي الدولي بحجم المأساة الإنسانية المتفاقمة.
غير أن هذه الإشارة الإيجابية لا تُلغي، بحسبه، حقيقة أن مثل هذه المؤتمرات غالبا ما تندرج ضمن آليات استجابة تقليدية “قد تركز على التعهدات دون القدرة على ضمان تنفيذ فعلي على الأرض”، خصوصا في ظل غياب أفق سياسي واضح لإنهاء النزاع. من هنا، يربط حامد أي نجاح محتمل بقدرة الأطراف الدولية على تجاوز إعادة إنتاج نماذج الاستجابة المتأخرة، والانتقال إلى مقاربة تربط التعهدات الإنسانية بإجراءات عملية ملموسة.
هذا التقييم يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستوى التمثيل الدبلوماسي للمؤتمر، إذ من المرتقب أن يُعقد على مستوى السفراء، مع تمثيل واشنطن من قبل كبير المستشارين للشؤون العربية والإفريقية. وفي هذا السياق، يلفت خبير النزاعات نفسه إلى أن مثل هذا المستوى يظل أداة دبلوماسية أساسية لتثبيت الالتزامات الدولية، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات حقيقية حين يتعلق الأمر بتحويل هذه الالتزامات إلى أثر مباشر في الميدان.
فحشد التمويل عبر “صندوق السودان الإنساني” يبقى ممكنا من الناحية التقنية، إلا أن قيمته العملية تظل محدودة ما لم يُربط بخطط واضحة لإيصال المساعدات بشكل آمن إلى المدنيين، لا سيما في مناطق النزاع النشط مثل إقليم كردفان. وضمن هذا المنطق، يخلص حامد إلى أن المؤتمر “يخلق إطارا للتعاون الدولي، لكنه ليس بديلا عن مسار سياسي وعسكري يوقف النزاع”، ما يجعل الرهان الواقعي عليه مرتبطا باعتباره خطوة أولية قابلة للبناء عليها، لا حلا قائما بذاته.
فجوة بين الوعود الدولية والواقع الميداني
تتفاقم هذه الفجوة في سياق ميداني بالغ التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع التحديات الإنسانية، لا سيما في المناطق التي تشهد مواجهات مفتوحة أو حصارا مطولا. وفي إقليم كردفان، على وجه الخصوص، تحوّلت المدن المحاصرة إلى بؤر لأزمات مركّبة، تجمع بين شح الغذاء والدواء، وانعدام الأمن، وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على العمل، ما جعل أي تحرك دولي موضع اختبار مباشر أمام الواقع الميداني.
ومع انتقال النقاش من الإطار الدبلوماسي إلى الميدان، تتبدّى فجوة واضحة بين حجم التعهدات المتوقعة والقدرة الفعلية على تحسين حياة المدنيين في ظل استمرار القتال. فوفق قراءة حامد، فإن تأثير أي مؤتمر إنساني يظل محدودا في غياب آليات تنفيذ فعّالة ومراقبة دقيقة لتوزيع المساعدات. فالتعهدات المالية والسياسية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتغيير واقع المدن المحاصرة مثل الدلنج ومناطق واسعة من كردفان، حيث تتعقّد عمليات الإغاثة بفعل انعدام الأمن وتعطّل سلاسل الإمداد.
ويشدد في هذا السياق على أن النجاح الحقيقي يتطلب ربط الدعم الدولي بخطط ميدانية واضحة، تشمل فتح ممرات آمنة، وتنسيقا لوجستيا مع الجهات المحلية، إلى جانب إشراف مباشر يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها. ومن دون هذه العناصر، يبقى المؤتمر في نظره إطارا رمزيا يعكس اهتماما دوليا، من دون أن يترجم إلى تغييرات ملموسة على الأرض.
ويكتسب توقيت المؤتمر أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنه مع تحولات عسكرية لافتة في جنوب كردفان، حيث شهدت مدينة الدلنج تطورات ميدانية متسارعة بعد أشهر من الحصار. وقد أعاد ذلك طرح تساؤلات حول قدرة المسارات الإنسانية على مواكبة إيقاع الميدان، في ظل تصعيد عسكري قد يغيّر خرائط السيطرة، ويعيد تشكيل أولويات الفاعلين الدوليين.
وفي هذا السياق، يرى حسن دنقس، الباحث في الاستراتيجية والعلاقات الدولية، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أن توقيت المؤتمر “يتقاطع بشكل واضح مع تطورات ميدانية حساسة”، ما يمنحه بعدا مزدوجا. فمن ناحية، يمكن أن يشكّل فرصة لتنسيق الجهود الإنسانية وتوجيه الدعم في لحظة حرجة، ومن ناحية أخرى، يسلّط الضوء على التحديات الكبيرة التي تعترض تطبيق أي تعهدات في ظل استمرار العمليات العسكرية، بما قد يحد من القدرة على إيصال المساعدات أو ضمان حماية المدنيين.
ويُكمل دنقس هذا التوصيف بالتأكيد على أن معيار نجاح المؤتمر لا ينبغي أن يُقاس بحجم الالتزامات المالية أو السياسية المعلنة فحسب، بل بمدى قدرة المجتمع الدولي على التفاعل السريع مع واقع ميداني متغيّر. فالتعهدات، مهما بلغت، تفقد قيمتها إن لم تتزامن مع إجراءات عملية تراعي طبيعة الصراع على الأرض وتحدياته الأمنية واللوجستية. ومن هنا، يصبح التحدي الأساسي هو ضمان ألا تبقى القرارات حبيسة القاعات الدبلوماسية، بل أن تجد طريقها إلى مناطق النزاع حيث تتفاقم معاناة المدنيين يوما بعد يوم.
تحرّك دولي عاجل أم استجابة بلا جذور سياسية؟
ولا ينفصل هذا النقاش عن الجدل الأوسع المتعلق بطبيعة المقاربة الدولية للأزمة السودانية، والتي غالبا ما تُتهم بالتركيز على إدارة التداعيات الإنسانية دون الغوص في جذور الصراع السياسية والعسكرية. فغياب مسار سياسي شامل، قادر على جمع الأطراف المتحاربة حول تسوية مستدامة، يظل عاملا حاسما في تحديد سقف أي تحرك دولي، مهما بلغت أهميته الإنسانية.
وفي هذا الإطار، يقدّم دنقس قراءة لا تقل ازدواجية عن سابقتها، معتبرا أن المؤتمر يمكن النظر إليه، من جهة، كاستجابة لضغوط دولية متزايدة وقلق عالمي من اتساع رقعة الكارثة الإنسانية في السودان، بما يجعله إطارا لإظهار الالتزام الدولي وتوفير دعم عاجل للمدنيين. غير أن الوجه الآخر لهذه المقاربة يتمثل في أن مثل هذه المؤتمرات غالبا ما تكتفي، بحسب تعبيره، باحتواء التداعيات الإنسانية دون معالجة الأسباب العميقة للنزاع.
وتتعمق هذه الإشكالية مع استمرار التصعيد العسكري، الذي قد يُفرغ أي جهد إنساني من مضمونه إذا لم يُواجه بإجراءات تنفيذية صارمة. فوفق تقييم دنقس، فإن التعهدات الدولية وحدها لا تكفي في ظل بقاء الممرات الإنسانية مغلقة واستمرار الاشتباكات، إذ يظل المدنيون الحلقة الأضعف والأكثر تضررا.
غير أنه في المقابل لا يستبعد أن يشكّل الحراك الدولي مدخلا لفرض مسار إنساني أكثر فاعلية، شريطة استثماره في تنسيق المساعدات، وضمان حماية المدنيين، وربط التمويل بنتائج واضحة على الأرض. وفي هذا السياق، يصبح نجاح المؤتمر مرهونا بقدرة المجتمع الدولي على فرض معايير تنفيذية دقيقة، وعدم الاكتفاء بإعلانات الدعم.
وتتداخل هذه الرؤى التحليلية مع خلفية ميدانية شديدة التعقيد، إذ تشهد ولايات إقليم كردفان منذ أسابيع اشتباكات عنيفة أسفرت عن نزوح عشرات الآلاف، في واحدة من أسوأ موجات النزوح منذ اندلاع النزاع في أفريل 2023. فالحصار الذي فُرض على مدينتي الدلنج وكادوقلي، والقصف المتكرر بالطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، عمّق الأزمة الإنسانية ودفع مئات الآلاف إلى الفرار بحثا عن الأمان.
وفي ظل تحذيرات الأمم المتحدة من تفاقم المخاطر التي تهدد المدنيين، وتقارير منظمة الهجرة الدولية التي تشير إلى تسارع وتيرة النزوح، تتضح محدودية أي تحرك إنساني لا يواكب هذه التطورات بخطط عملية على الأرض. فاستمرار القتال، وتقييد الوصول الإنساني، وتدهور الأوضاع الأمنية، عوامل تُضعف قدرة المبادرات الدولية على إحداث تأثير ملموس، وتُبقي معاناة المدنيين مرهونة بحسابات تتجاوز البعد الإنساني العاجل.
وفي هذا السياق، يكشف التحضير للمؤتمر الدولي الإنساني في واشنطن عن مفارقة جوهرية؛ إذ يعكس من جهة إدراكا متزايدا لخطورة الكارثة الإنسانية في السودان، لكنه يسلّط من جهة أخرى الضوء على حدود المقاربة الدولية التي ما تزال أسيرة الاستجابة الطارئة، دون معالجة شاملة لجذور الصراع. وبين هذين المسارين، يبقى الرهان الحقيقي معلقا على قدرة المجتمع الدولي على تجاوز منطق التعهدات، والانتقال إلى فعل إنساني وسياسي متكامل، يربط الدعم الإغاثي بجهد جاد لوقف النزاع، ويفتح نافذة أمل أمام ملايين السودانيين العالقين بين نيران الحرب وانسداد الأفق.
