الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالمثقف والانحياز للدعم السريع بعيدا عن التبرير بقلم رشا عوض

المثقف والانحياز للدعم السريع بعيدا عن التبرير بقلم رشا عوض

سودان تمورو:

إن حرب الخامس عشر من ابريل ٢٠٢٣ حدث مفصلي في تاريخ السودان المستقل، يستوجب وقفة تاريخية لمراجعة تجربة البلاد السياسية، ونقدا جذريا لمؤسساتها العسكرية والمدنية في سياق استخلاص الدروس الصحيحة والوعي الجديد لبناء سودان المستقبل على اسس جديدة مغايرة لتلك التي انتجت مسلسل الحروب الاهلية.
وهنا يأتي دور المثقف وهو ضمير المجتمع الاخلاقي وعقله المفكر المتجاوز للمظاهر السطحية للاحداث الى جذورها العميقة لاستكشاف طريق المستقبل تحت اضواء المعرفة والوعي، هذا الدور يستوجب استقلال المثقف عن اي سلطة، وخلال هذه الحرب يجب ان ينجو بنفسه من هيمنة اي طرف عسكري بل عليه ان ينزع المشروعية السياسية والاخلاقية عن طرفي الحرب لانها حرب هدفها تكريس عسكرة المجال العام وقبر الحياة المدنية الديمقراطية ومصادرة الحرية التي هي اكسجين الحياة للمثقف.

ولكن في ظل الانقسامات التي تسببت فيها الحرب نجد بعض المثقفين اصطفوا خلف الجيش والبعض الاخر اصطف خلف الدعم السريع!

اخصص هذه المقالة لمناقشة قضية انحياز المثقف للدعم السريع انطلاقا من ارضية مدنية ديمقراطية، وموقف سياسي معارض للحرب وناقد للجيش نقدا جذريا ومعارض للحركة الاسلامية اسما الاجرامية فعلا التي تقف خلف اشعال الحرب وتسعى لاخضاع البلاد مجددا للدكتاتورية العسكرية.

لقد كتبت في مقالات عدة منذ بدايات الحرب، وتحديدا عندما كان الدعم السريع يسيطر على الخرطوم والجزيرة ، ان الانتصار العسكري الكاسح للدعم السريع سيؤدي الى استبداد مليشياوي ونظام لن يضيف للهامش سوى نموذج شبيه للسلطة المركزية في عنفها ونهبها للموارد وافقارها للسواد الاعظم من الشعب لصالح لوردات الحرب، حتى شعب دارفور وكردفان لن يتغير واقعه الاقتصادي للافضل تحت سلطة الدعم السريع وذلك بحكم الطبيعة البنيوية لهذه القوات التي مارست في كل المناطق التي سيطرت عليها الانتهاكات المروعة والفوضى العارمة والسلب والنهب.

رغم كل ذلك هناك مثقفين عرفناهم بالاخلاص لقضايا التغيير وللثورة اصطفوا مع الدعم السريع في تحالف تأسيس، واظن انهم ليسوا في حاجة للتدريس والوعظ حول الاشكالات العويصة لخيار الرهان على بندقية الدعم السريع ، فهم من الذكاء والمعرفة ما يكفي لادراك ذلك ، ولكن هل نقفز مباشرة الى اطلاق حكم ضدهم بالخيانة العظمى والعمالة والارتزاق واستباحة الدم ؟ مثل هذه القفزة البهلوانية ظلت على الدوام هي رد الفعل على اختلاف وجهات النظر حول الحرب واختلاف اصطفافات السودانيين خلف اطرافها ، حتى نحن الذين واللاتي دافعنا بشراسة عن استقلالية الصف المدني وجاهرنا بانتقاد الدعم السريع كنا في مقدمة من انتاشتهم سهام التخوين والتجريم والشتائم والبذاءات وصولا للملاحقات الجنائية من سلطة الامر الواقع في بورسودان، لان هدف الحرب الرئيس هو اعدام المشروع المدني الديمقراطي، واختزال الحياة السياسية في الاصطفاف اما خلف الجيش والكيزان واما خلف الدعم السريع، وفي الحالة القطيعية المفروضة فرضا على العقل الجمعي غير مسموح مطلقا بالتفكير خارج اسوار سردية اطراف الحرب.

احمد الله كثيرا ان وفقني لاكتساب مناعة وطنية صلبة غير قابلة للابتزاز الارعن، ولا ترهبها الغوغائية ، ومن هذا المنطلق جاء رفضي للتبسيط والاختزال الثنائي لازمة حرب الخامس عشر من ابريل ٢٠٢٣ ، ذلك التبسيط القائل بأنها حرب بين معسكر السيادة والكرامة والوطنية والخير المطلق ممثلا في الجيش ، ومعسكر الخيانة والعمالة والشر المطلق ممثلا في الدعم السريع، هذا تبسيط طفولي( منزوع البراءة طبعا)،و مصنوع بعناية للتعبئة الحربية ، لا يمكن ان يتورط فيه من ينشد السلام والديمقراطية، ولا يقبله من كانت لديه الحدود الدنيا من الموضوعية والنزاهة في قراءة احداث التاريخ السياسي التي انتهت الى هذه الحرب الاجرامية.

في هذا السياق ، ورغم اختلافي الواضح مع من اصطف خلف الدعم السريع ولا سيما من المثقفين ، فانني لا اتفق مع حشرهم جميعا في خانة العمالة والخيانة والرشوة! ببساطة لان هذه ليست الحقيقة!

ان الذي يفسر ( ولا يبرر) اختيار جماعات سودانية من السياسيين والمثقفين صف الدعم السريع ورهانهم على سلاحه ليس كفرهم بامكانية التغيير عبر العمل السياسي السلمي بالمطلق ، ولكن لان طريق التغيير بالوسائل السياسية السلمية الذي جسدته ثورة ديسمبر المجيدة تم اغلاقه بفعل فاعل مسلح!

مسار ديسمبر ابتداء من الوثيقة الدستورية وصولا الى الاتفاق الاطاري يمكن تلخيصه في انه محاولة للتفكيك الناعم لنظام الكيزان، ومحاولة للانعتاق التدريجي من قبضة المؤسسة العسكرية بواسطة مشروع تكون هي – اي المؤسسة العسكرية- شريكة فيه ومتعاونة في انجازه لتجنيب البلاد ويلات الحرب بين الجيش والدعم السريع، وقد كانت حربا متوقعة اذا لم تتم معالجة معضلة تعدد الجيوش بحكمة وعقلانية.

فماذا كان رد الجيش والتنظيم الامني العسكري الكيزاني على ثورة ديسمبر السلمية؟ الم يكن الانقلاب العسكري عليها مرة بمجزرة فض الاعتصام، ومرة بانقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ الذي واجه المتظاهرين السلميين ضده بتصويب الرصاص الحي الى رؤوسهم وصدورهم؟ ماذا كان رد الجيش والتنظيم الامني العسكري الكيزاني على الاتفاق الاطاري الذي كان محاولة ثانية لانجاح الانتقال المدني الديمقراطي عبر تدابير متدرجة للانعتاق من قبضة العسكر عبر عملية اصلاح امني وعسكري تنهي واقع تعدد الجيوش؟ كان رد الفعل هو اشعال هذه الحرب! والاصرار العنيد على استمرارها حتى تتحقق نتيجة واحدة وهي ذبح الحياة السياسية المدنية واغلاق الباب محكما في وجه التحول الديمقراطي والاحتفاظ بالترسانة العسكرية والامنية الكيزانية كما هي بكل فسادها وعنفها ضد المواطنين وبكامل سيطرتها على موارد البلاد الاقتصادية وبوضعيتها كمؤسسة حاكمة بالقوة وفوق القانون والمساءلة ، هذه هي الحزمة المترابطة التي يطرحها معسكر الحركة الاسلامية اسما الاجرامية فعلا بقيادة علي كرتي كشرط لايقاف الحرب! اما القبول بها واما استمرار الحرب وان ادى الى انقسام السودان مجددا الى شمال و شرق وغرب مثلما انقسم الى شمال وجنوب عام ٢٠١١ !

هذا هو السياق الذي لا يجوز اهداره او الغفلة عنه عندما نناقش المجموعات السياسية التي اختارت المواجهة المسلحة مع مشروع الكيزان المسلح الذي اغلق في الماضي القريب والبعيد، وما زال حتى الان يغلق ومع سبق الاصرار والترصد افق السلام والعمل المدني بالوسائل السياسية السلمية.

عندما استنفر الاستعمار البريطاني جيوش مستعمراته للقتال معه في الحرب العالمية الثانية وعد شعوبها بالاستقلال، اما الجيش السوداني والكيزان فيستنفرون السودانيين للقتال في حرب الندامة هذه دونما اي وعد يحترم انسانيتهم! بل يقدمون لهم الوعيد بان القادم حال انتصارهم هو استبداد اعنف واغلظ من استبدادهم القديم ! فهل نستطيع فهم ما يجري من اصطفافات في الساحة السياسية والعسكرية دون اخذ كل هذه الحقائق المرة في الاعتبار، والقفز مباشرة الى ان هذا خائن وعميل وذاك يقبض الرشوة!!

نعم معسكر الدعم السريع اجتذب وما زال يجتذب الى صفوفه زرافات ووحدانا من الانتهازيين والمرتشين والمحتالين والمجرمين وغواصات الاجهزة الامنية ، وامثال هؤلاء ايضا موجودون بكثرة في ضفة مؤيدي الجيش، ولكن حتى تكتمل الصورة يجب ان نقر بان الدعم السريع اجتذب اليه ايضا من هم ليسوا كذلك من السودانيين الوطنيين الراغبين في التغيير معتقدين ان بندقية الدعم السريع يمكن ان تكون وسيلة له، فضلا عن ان واقع الاستقطاب الاثني والجهوي الذي بلغ اقصاه خلال هذه الحرب ترتب عليه اعتقاد ملايين السودانيين في غرب السودان ان الدعم السريع هو جيشهم الذي بهزيمته ينكسرون ويذلون مثلما يعتقد ملايين السودانيين في الشمال والوسط وجزء من الشرق ان الجيش هو حاميهم والضامن للمحافظة على مصالحهم وبقاء الدولة كما عرفوها والفوها، فالحرب احدثت انقساما سياسيا واجتماعيا عميقا وحقيقيا، وفي ضفتي هذا الانقسام لكل طرف نصيبه من الحقائق الجزئية، ونصيبه من المؤيدين المخلصين المستعدين للتضحية ببذل الارواح ، وكذلك نصيبه من الاجرام والانتهاكات والاكاذيب والاطماع غير المشروعة ، ونصيبه من تدمير البلاد وتعذيب شعبها، فلا مجال لثنائية الخير المطلق مقابل الشر المطلق في توصيف واقع هذه الحرب المعقد ، والذي لا مخرج منه بدون الاحاطة الواعية بكل المعطيات المذكورة في هذه المقالة وغيرها من المعطيات التي تشمل الابعاد الاقليمية والدولية والخلفيات التاريخية للصراع السياسي في الدولة السودانية.

بالعودة الى موضوع المثقفين الذين اختاروا صف الدعم السريع ، فرغم وجود معطيات تفسر موقفهم هذا ، الا ان خيارهم من وجهة نظري ليس صحيحا ويلحق ضررا خطيرا بصورة المثقف ويتناقض مع طبيعة دوره في المجتمع كسلطة معنوية مستقلة.

ان مآلات تجربة اعتماد القوى المدنية على بنادق الاخرين في تحقيق اهداف التغيير السياسي والاقتصادي تقول بوضوح ان هذا التوجه عقيم! ولا ينتج تغييرا بل يفرز سلطة لوردات الحرب المتناقضة مع السلام والديمقراطية والتنمية ، فالبندقية تخدم اهداف من يمتلكها ، ومن الخطورة بمكان ان تعلق قوى مدنية ومثقفون امالهم في التغيير على بندقية لا يملكون التحكم فيها ، اما اذا كفرنا كمدنيين بامكانية التغيير بالوسائل السياسية السلمية فعلينا ان نتجه الى تأسيس جيوشنا الخاصة التي تأتمر بأمرنا ويحكمها منطقنا السياسي ومصالح من نمثلهم! وقد سبق ان شرحت ذلك بالتفصيل في مقالة منشورة بصحيفة التغيير الالكترونية بتاريخ ٤ سبتمبر ٢٠٢٣ بعنوان ” المدنيون وخطورة الرهان على اي قوة عسكرية لا يملكونها “.

 

ختاما ، اننا كمدنيين ساعين للسلام والديمقراطية نتألم ونتأذى كثيرا من انحسار ميادين التغيير بالوسائل السلمية وتسيد السلاح الذي يسحب من رصيدنا المدني شخصيات مؤهلة للمساهمة النوعية في الارتقاء بالوطن عبر بناء وتقوية المؤسسات المدنية الديمقراطية ، هذه معضلة تحتاج لادارة حوارات نقدية حولها وليس اصدار احكام تجريمية ، وحواراتنا النقدية حتى تكون نزيهة ومكتملة يجب ان لا تغفل حقيقة ان الدولة السودانية طوال تاريخها ظلت تعاني من استعصاء بنيوي على التغيير بالوسائل السلمية ، وهذا الاستعصاء بلغ ذروته ومستواه الاكثر عنفا وانحطاطا بواسطة نظام الحركة الاسلامية اسما الاجرامية فعلا ، نستدعي هذه الحقيقة ليس بهدف التبرير او التواطؤ مع اي جهة مسلحة ، بل من اجل الفهم الموضوعي للازمة والاحاطة بكل ابعادها لان هذا هو شرط الحلول الحقيقية ، نستدعيها لنقول نحن ضد ادارة حياتنا السياسية بالسلاح ، ولان رفضنا للسلاح مبدئي واخلاقي فإن هذا الرفض يشمل في المقام الاول الانظمة السياسية التي اغلقت ابواب التغيير السلمي بقوة السلاح، وما زال اصحابها متمادين في المثابرة على السياسات التي تجعل الدولة السودانية مستعصية على التغيير السلمي، وجعلت حمل السلاح يكتسب المشروعية ويجتذب كل يوم قادمين جدد كانوا مؤمنين بالثورة السلمية! بهذا نستطيع اجتراح مشروع للخلاص الجماعي للشعب السوداني، مشروع من شروط نجاحه ان يدفع جميع الفاعلين استحقاقات استعادة السياسة الى ميدان السلام والسلمية ، وعلى رأس المطالبين بذلك الجيش الذي منذ اندلاع الحرب لم نسمع منه سوى خطاب الوصاية المسلحة على السياسة لدرجة ان كبار قادته يعلنون بلا حياء انهم سينقلبون حتى على الحكومات المنتخبة لو اتت بمن لا يعجبهم كما قال ياسر العطا ، وعصابة الكيزان التي ازدادت في جنون القوة والبلطجة وخطابها للسودانيين اما ان نحكمكم بالقوة وننهب مواردكم بغير حساب واما ان نحرق البلاد باستمرار الحرب ونتسلى بمتابعة الحريق من قصورنا الفخيمة في تركيا والخليج وماليزيا!

وعندما اقول ان الجيش والكيزان في مقدمة المطالبين بدفع استحقاقات السلام فان هذا لا يعني ان الدعم السريع في خانة الضحية او الفاعل البريء، ابدا ! فالدعم السريع محاصر بانتهاكاته المروعة ضد المدنيين، وجرائم الحرب الموثقة خلال هذه الحرب وقبلها، ومحاصر بدوره في حراسة نظام البشير حينا من الدهر ، ومحاصر بعيوبه البنيوية التي تتعارض مع بناء دولة مدنية ديمقراطية، وحتى لو تركنا الديمقراطية جانبا ، فان معالجة مظالم التهميش الاقتصادي والتنموي في دارفور وجنوب كردفان وغيرها لن تحل الا بنظام يوظف الموارد والثروة القومية لصالح التنمية والخدمات وتطوير حياة المهمشين، فكيف يتحقق ذلك في ظل سيطرة اسرية وعشائرية على الموارد بقوة السلاح وانعدام اي بنية مؤسسية تشريعية او عدلية لحماية حقوق المواطنين، فالموجود في مناطق سيطرة الدعم السريع هو سلطة البندقية الباطشة المستعلية على اي سلطة والعاجزة بنيويا عن تقديم نموذج سياسي اقتصادي تنموي ينصف حواضنها الاجتماعية .

ان وسيلة القوى المدنية الديمقراطية وعلى رأسها المثقفون لايقاف هذه الحرب يجب ان تكون اعتزالها ونزع مشروعية جميع اطرافها.

الراكوبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات