السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين نقرأ الصراع بعين الطائفة… نفقد البوصلة... معتصم سيد احمد

حين نقرأ الصراع بعين الطائفة… نفقد البوصلة… معتصم سيد احمد

سودان تمورو

في سورة الروم يخبرنا القرآن عن هزيمة الروم ثم عن عودتهم إلى الانتصار بعد سنوات قليلة، ويضيف عبارة لافتة: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾. لم يكن المؤمنون رومانيين، ولم تكن بينهم وبين الروم رابطة قومية أو مذهبية، لكنهم قرأوا الحدث ضمن ميزان أوسع من الهوية الضيقة.
هذا الدرس القرآني يضعنا أمام إشكالية معاصرة تتكرر في منطقتنا: اختزال الصراع السياسي في انقسام طائفي. كثيرون لا يرون الأحداث إلا من خلال هوية الأطراف، فيساوّون بين من يرفع شعار الدفاع عن المستضعفين – مع كل ما قد يؤخذ عليه – وبين قوة استعمارية أو صهيونية أو هيمنة دولية واضحة المشروع. وتُختزل المسألة في عبارة سهلة التداول: “فخار يكسر بعضه”.
هذه النظرة تحمل خللاً أخلاقياً ومعرفياً عميقاً. فهي تفترض تساوي جميع الأطراف أخلاقياً، وتلغي الفروق بين مشروع مقاومة – مهما شابه من أخطاء – ومشروع هيمنة يستهدف الأرض والقرار والسيادة. وحين يُلغى المعيار، يتحول الحياد إلى تبرير ضمني للأقوى.
المشكلة الأساسية في القراءة الطائفية أنها تحاكم الأطراف بناءً على هوياتها لا على أفعالها. السؤال لا يعود: ماذا يفعل هذا الطرف؟ بل: من أي طائفة هو؟ وبمجرد تحديد الهوية، يصدر الحكم. هذه المقاربة تعطل التفكير السياسي الرشيد، وتمنع التفريق بين خطأ تكتيكي ومخطط استراتيجي، وبين انحراف جزئي ومشروع هيمنة شامل.
فلو عُمم هذا المنطق، لكان معنى ذلك ترك أي قوة محتلة تعبث بمصير الشعوب ما دام الضحايا لا ينتمون إلى طائفتنا. غير أن الحس الإنساني السليم يرفض هذا التبسيط؛ لأن الظلم يُدان بفعله لا بهوية ضحيته.
المطلوب إذن ليس رفع شعار طائفي مضاد، ولا تبرئة أي طرف من النقد، بل إعادة بناء معيار التقييم. هناك قيم يمكن الاحتكام إليها بعيداً عن الاصطفاف: العدالة، مقاومة الاحتلال، الدفاع عن المستضعفين، استقلال القرار. هذه المعايير موضوعية، ويمكن من خلالها قراءة الواقع دون انفعال مذهبي.
فالقراءة الرشيدة للصراع تقتضي التفريق بين الهوية والمشروع. الهوية قد تثير حساسيات، لكن المشروع يُقاس بنتائجه: هل يعزز استقلال المنطقة أم يكرس تبعيتها؟ هل يحمي المستضعفين أم يساوم عليهم؟ هل يقاوم الهيمنة أم يتماهى معها؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها الطائفة، بل الوقائع.
فأخطر ما تفعله الطائفية أنها تسلب الإنسان قدرته على الفرح المشروع بانتصار حق، أو الحزن على مظلومية، لأنها تربط الموقف بالانتماء لا بالقيمة. بينما يعلّمنا القرآن أن المؤمن قد يفرح بانتصار طرف لا ينتمي إليه، إذا كان ذلك يعزز ميزاناً أقرب إلى العدل في سياق معين.
الخروج من مأزق “فخار يكسر بعضه” يبدأ باستعادة البوصلة الأخلاقية. بوصلة ترى الإنسان قبل الطائفة، والمشروع قبل الشعار، والقيمة قبل الهوية. عندها فقط يمكن أن نقرأ صراعات منطقتنا بوعي أعمق، وأن نميز بين من يخطئ في سياق دفاع أو مقاومة، وبين من يجعل من الهيمنة مشروعاً دائماً، دون أن نغرق في خطاب طائفي جديد ونحن نزعم أننا ننتقد الطائفية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات