الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمن يصنع “الإرهابي” حين يحتاجه… ومن يخلع عنه التهمة حين يخدمه؟.. بقلم...

من يصنع “الإرهابي” حين يحتاجه… ومن يخلع عنه التهمة حين يخدمه؟.. بقلم سعد الدين عطية

سودان تمورو

في زمن التحولات الحادة، لا يكفي أن نقرأ التصريحات الرسمية، بل ينبغي أن نقرأ ما بين سطورها. فالسياسة الدولية لم تعد تُدار فقط بخطاب “مكافحة الإرهاب”، بل بإعادة تعريفه وفق الحاجة. من كان بالأمس عنوانًا للشر المطلق، يمكن أن يصبح – في لحظة انعطاف – شريكًا موضوعيًا أو واقعًا مفروضًا، إذا اقتضت المصالح ذلك. هنا تحديدًا تتكشّف المفارقة الكبرى: من يرسم خطوط التصنيف، هو ذاته من يعيد محوها.

حين يُطرح اسم أبو محمد الجولاني في المشهد السوري، فإن الذاكرة لا تستدعي فقط زعيمًا ميدانيًا، بل تستدعي مسارًا كاملًا من التحولات السياسية والعسكرية. الرجل الذي ارتبط اسمه بقيادة جبهة النصرة – المصنّفة دوليًا تنظيمًا إرهابيًا – وجد نفسه لاحقًا في قلب معادلات إقليمية ودولية معقدة، حيث تغيّرت الأولويات، وتبدلت خرائط الاصطفاف. السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن شخص بعينه، بل عن الآلية التي تجعل من فاعل مسلح يومًا ما رقمًا صعبًا في ترتيبات اليوم التالي.

الخطاب الغربي، وعلى رأسه الخطاب الأمريكي، قام طوال عقدين على ثنائية حادة: “نحن” في مواجهة “الإرهاب”. لكن التجارب الميدانية، من أفغانستان إلى العراق وصولًا إلى سوريا، كشفت أن التعريف لم يكن ثابتًا، بل خاضعًا لحسابات السياسة. في لحظة معينة، يُفتح باب الدعم تحت عناوين “المعارضة المعتدلة” أو “حماية المدنيين”، وفي لحظة أخرى يُغلق الباب ذاته تحت لافتة “مكافحة التطرف”. الفارق لا تصنعه المبادئ بقدر ما تصنعه المصالح.

هذا التناقض يعني بالضرورة وجود مؤامرة محكمة ويعكس براغماتية قاسية تحكم سلوك القوى الكبرى. فالولايات المتحدة، كغيرها من القوى العظمى عبر التاريخ، تعاملت مع الفاعلين المحليين بوصفهم أدوات ضمن استراتيجية أوسع. قد يُصنَّف فصيل ما خطرًا داهمًا في سياق، ثم يُعاد تقييمه في سياق آخر إذا تغيّرت الأولويات أو برز تهديد أكبر. إنها لعبة توازنات، لكنها لعبة تُدفع أثمانها على الأرض، لا في مراكز التفكير.

في الحالة السورية، تداخلت خطوط الصراع إلى حدّ التشابك الكامل: ثورة شعبية، حرب أهلية، تدخلات إقليمية، حضور روسي مباشر،، وتدخلات إسرائيلية دائمة. في هذا المشهد المركب، لم يعد التصنيف الأخلاقي البسيط كافيًا لفهم ما يجري. القوى الدولية لم تتحرك بدافع مثالي، بل بدافع منع خصومها من حصد مكاسب استراتيجية. ومن هنا جاءت التحولات في المواقف، والمرونة – أو الازدواجية – في التعامل مع بعض الفاعلين.

غير أن الخطورة لا تكمن فقط في تبدل المواقف، بل في الرسالة التي يبعثها هذا التبدل إلى المجتمعات. حين يرى الرأي العام أن من رُفع ضده شعار “الحرب على الإرهاب” يمكن أن يتحول إلى شريك أمر واقع، فإن الثقة في المنظومة الدولية تتآكل. يصبح السؤال مشروعًا: هل المعركة كانت فعلًا ضد الإرهاب، أم ضد أطراف بعينها؟ وهل المعايير ثابتة، أم أنها تتبدل بتبدل خرائط النفوذ؟

إقليميًا، يُفاقم هذا المشهد من هشاشة الدول الوطنية. فحين يُفتح الباب أمام إعادة تدوير الفاعلين المسلحين ضمن ترتيبات سياسية، فإن ذلك يكرّس منطق “القوة أولًا”. أي جماعة قادرة على فرض نفسها ميدانيًا قد تجد لاحقًا موقعًا على طاولة التفاوض، حتى وإن كانت مصنفة يومًا ما خارج الشرعية. وهنا تتعقد معادلة الدولة والسيادة، ويصبح الاحتكام إلى السلاح مسارًا مغريًا لآخرين.

إن النقد الجاد للسياسات الغربية لا ينبغي أن ينزلق إلى خطاب تعبوي، بل أن ينطلق من مساءلة المعايير. إذا كانت “مكافحة الإرهاب” مبدأً عالميًا، فيجب أن يكون تعريفه واحدًا لا يتجزأ. وإذا كان الهدف استقرار الدول، فلا يمكن القبول بازدواجية تُضعف الدولة حينًا وتدعمها حينًا آخر وفق مقتضيات اللحظة.

لقد سقطت الأقنعة عن طبيعة النظام الدولي بوصفه ساحة صراع مصالح لا ساحة مبادئ خالصة. لكن سقوط القناع لا يعني نهاية اللعبة، بل ربما بدايتها الحقيقية. فالشعوب التي عاشت كلفة هذه التحولات باتت أكثر وعيًا بأن الشعارات الكبرى لا تكفي، وأن معيار الحكم على السياسات ليس ما يُقال في المؤتمرات الصحفية، بل ما يترتب عليها من دماء وحدود مكسورة وخرائط يُعاد رسمها.

بين “إرهابي” و”شريك”، وبين “مطلوب دوليًا” و”فاعل سياسي”، مساحة رمادية واسعة تتحرك فيها القوى الكبرى ببرودة أعصاب. أما الثابت الوحيد، فهو أن من يدفع الثمن هم أبناء الأرض. والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل يتعلم الإقليم كيف يبني معادلاته بعيدًا عن لعبة التصنيفات المتحركة، أم سيبقى رهينة تعريفات تُكتب في العواصم البعيدة ثم تُنفذ على ترابه؟

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات