الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تتحول الأسواق إلى ساحة حرب! .. جابر منصور

حين تتحول الأسواق إلى ساحة حرب! .. جابر منصور

سودان تمورو

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط فوق الخرائط العسكرية أو في السماء حيث تحلق الطائرات والصواريخ. فالمعركة الحقيقية، في كثير من الأحيان، تبدأ بعيداً عن أصوات المدافع، داخل فضاء آخر أقل ضجيجاً وأكثر تأثيراً: فضاء الأسواق والاقتصاد والوعي الجمعي للمجتمعات. من هنا تكتسب تصريحات وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن دلالتها العميقة حين ربط استمرارية أي حرب بعاملين حاسمين: قدرة الأسواق المالية على الصمود، وتوافر مخزون كافٍ من الذخائر. قد يبدو هذا الربط في ظاهره تقنياً، لكنه في جوهره يعكس تحولاً كبيراً في فهم طبيعة الصراع في القرن الحادي والعشرين.

ففي الماضي، كانت الجبهة تُقاس بمسافة الأرض التي تتقدمها الجيوش أو تتراجع عنها. أما اليوم، فقد باتت الجبهة تمتد إلى الداخل العميق للدول، إلى استقرار العملة الوطنية، وإلى قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات، وإلى ثقة المواطن في اقتصاده ومستقبله. حين تهتز هذه العناصر، تصبح الدولة مكشوفة حتى لو كانت جيوشها ما تزال تقاتل في الخطوط الأمامية.

من هذه الزاوية يمكن فهم كيف تغيرت طبيعة المواجهة في كثير من مناطق العالم، ومنها الشرق الأوسط. فالقوى الكبرى تدرك أن الحروب التقليدية المباشرة مكلفة سياسياً واقتصادياً، وأن الحسم العسكري الخالص لم يعد سهلاً كما كان في السابق. لذلك تتجه الاستراتيجيات الحديثة نحو ما يسمى بالحروب الهجينة، حيث تتقاطع الأدوات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، والحملات الإعلامية، والهجمات السيبرانية، والتلاعب النفسي بالرأي العام.

في مثل هذا النوع من الحروب، تصبح الأسواق المالية ساحة مواجهة حقيقية. فالتقلبات الحادة في أسعار العملات أو المعادن الثمينة، والانفلات المفاجئ في أسعار السلع الأساسية، أو موجات الهلع التي تدفع المواطنين إلى سحب مدخراتهم أو تحويلها إلى أصول بديلة، ليست دائماً مجرد تفاعلات اقتصادية عفوية. في بعض الأحيان تكون جزءاً من ضغط سياسي واقتصادي محسوب بدقة، هدفه إضعاف قدرة الدولة على إدارة أزماتها وإثارة الشكوك داخل مجتمعها.

الاقتصاد هنا يتحول إلى أداة صراع بامتياز. فعندما تتراجع قيمة العملة الوطنية، لا يتضرر الميزان المالي للدولة فقط، بل تتآكل أيضاً ثقة المواطن في استقرار حياته اليومية. وعندما ترتفع أسعار الغذاء والسلع الأساسية، لا يكون الأمر مجرد أزمة معيشية عابرة، بل يصبح اختباراً لقوة العقد الاجتماعي بين الدولة ومجتمعها. ولهذا السبب تحديداً أصبح الاستقرار الاقتصادي في زمن الأزمات مسألة تتجاوز الحسابات المالية لتصل إلى صميم الأمن القومي.

التاريخ القريب يقدم شواهد عديدة على هذه الحقيقة. فدول كثيرة لم تنهزم في الحروب بسبب خسارة معركة عسكرية حاسمة، بل بسبب الانهيار الاقتصادي الذي أصاب جبهتها الداخلية. حين تتعطل المصانع، وتختنق سلاسل الإمداد، ويتحول القلق إلى مزاج عام في المجتمع، تصبح الدولة أقل قدرة على مواصلة الصراع مهما بلغت قوتها العسكرية.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم حساسية الأسواق تجاه أي تصعيد سياسي أو عسكري. فالأسواق بطبيعتها شديدة التفاعل مع التوقعات والاحتمالات. مجرد الإحساس بأن المنطقة قد تتجه إلى مواجهة واسعة يمكن أن يطلق موجة مضاربات أو عمليات تحويل للأموال تخلق بدورها تقلبات حادة في سعر الصرف أو في أسعار الذهب والسلع. هذه الظواهر قد تبدو للوهلة الأولى طبيعية في اقتصاد عالمي متشابك، لكنها في أوقات التوتر تتحول إلى مؤشر بالغ الحساسية على هشاشة الاستقرار الداخلي.

غير أن التحدي الأكبر في مثل هذه اللحظات لا يكمن فقط في إدارة المؤشرات الاقتصادية، بل في إدارة الثقة. فالثقة هي العملة الأكثر ندرة في زمن الأزمات. عندما يثق المواطن في قدرة مؤسسات بلده على إدارة المرحلة الصعبة، يصبح أكثر استعداداً لتحمل الضغوط المؤقتة. أما عندما تتآكل هذه الثقة، فإن أي اهتزاز بسيط في السوق يمكن أن يتحول إلى موجة هلع واسعة النطاق.

لهذا السبب تحديداً تحرص الدول في أوقات الصراع على حماية جبهتها الداخلية بنفس القدر الذي تحمي به حدودها. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول السيطرة على الرواية والوعي العام. الإعلام، ومنصات التواصل، والإشاعات الاقتصادية، كلها أدوات يمكن أن تُستخدم لتضخيم المخاوف أو نشر الإحباط أو خلق انطباع بأن الانهيار وشيك حتى لو لم تكن المؤشرات الواقعية تشير إلى ذلك.

في مثل هذه البيئات المتوترة، يصبح الوعي المجتمعي عاملاً حاسماً في تحديد مسار الأحداث. فالمجتمع الذي يمتلك قدرة أكبر على قراءة التحولات بهدوء، والتمييز بين الأزمات الحقيقية والضغوط النفسية المصطنعة، يكون أكثر قدرة على حماية استقراره الداخلي. أما المجتمع الذي ينجر سريعاً وراء موجات الذعر، فإنه قد يساهم من حيث لا يدري في تعميق الأزمة التي يخشاها.

لا يعني ذلك التقليل من خطورة التحديات الاقتصادية أو تجاهل المعاناة اليومية التي قد تنتج عنها. لكن إدراك طبيعة المرحلة يساعد على فهم أن كثيراً من الصراعات المعاصرة تدور في مساحات غير مرئية بوضوح. فالمعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الحدود، بل قد تكون في بعض الأحيان أكثر حسماً منها.

لهذا تبدو اللحظة الراهنة اختباراً مركباً للدول والمجتمعات معاً. اختبار لقدرة صناع القرار على حماية الاستقرار الاقتصادي وسط بيئة إقليمية مضطربة، واختبار لقدرة المجتمعات على الحفاظ على تماسكها النفسي في مواجهة الضغوط المتعددة. ففي عالم تتحول فيه الأسواق إلى جبهة، يصبح صمود الاقتصاد جزءاً من صمود الدولة، ويصبح وعي المواطن خط الدفاع الأول في مواجهة صراعات لا تُخاض كلها بالسلاح.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات