سودان تمورو:
لا يبدو أن ضجيج الطائرات وصداها في سماء المنطقة هو الأخطر في هذه اللحظة الفارقة، بل إن الأخطر حقاً هو ذلك الهمس الدبلوماسي الناعم الذي بدأ يتسلل إلى الأروقة الدولية تحت ستار “التهدئة” و”ضبط النفس”. إن ما نشهده اليوم من مؤشرات توحي بقرب نهاية الصراع ليس إلا فصلاً جديداً من فصول التضليل الاستراتيجي الذي تتقنه القوى الكبرى لحماية الحليف الإسرائيلي في لحظة انكشافه العسكري. إن قراءة المشهد بعيداً عن الانفعال تكشف أن استهداف منشآت “بارس” لم يكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل كان عملية “حسابية” دقيقة صُممت لاستدراج رد فعل إيراني محدد، يتبعه تحرك دولي واسع يضغط لانسحاب ظاهري يوهم الجميع بانتهاء المعركة، بينما الحقيقة تكمن في محاولة امتصاص الزخم العسكري لمحور المقاومة وتجميد تفوقه الميداني عند نقطة “الإشباع النفسي”.
لقد بات من الواضح أن هناك مطبخاً إعلامياً واستخباراتياً يعمل بالتوازي مع العمليات العسكرية لصناعة حالة من “الانتصار الوهمي” لدى الخصم؛ فحين يتم التكتم على سقوط طائرة “إف-35” أمريكية لساعات طويلة ثم يخرج الإعلام الغربي للإعلان عنها تزامناً مع تصريحات ترامب حول تدمير القوة الجوية الإيرانية، فنحن أمام محاولة واضحة لخلط الأوراق وتزييف الوعي. الهدف هنا هو رفع سقف المديح للقوة الإيرانية وقدرتها على الردع إلى حد يجعل الجبهة الداخلية تشعر بأنها حققت النصر الكامل ولم يعد هناك داعٍ للمزيد، وهي سياسة “تنويم” استراتيجية تسبق عادة الضربات الغادرة. إنهم يريدون إقناع طهران بأنها انتصرت لتدفع ثمن هذا “النصر” تنازلاً في الميدان أو قبولاً بهدنة مفخخة.
وفي عمق هذا المشهد، يبرز التناقض الصارخ في الخطاب الإسرائيلي والأمريكي؛ فبينما يتبجح نتنياهو من “مخبئه” بتدمير قدرات إنتاج الصواريخ، تخرج الأصوات الدبلوماسية في واشنطن والعواصم الغربية لتصرخ بأنها كانت ضد التصعيد وتدعو لجلسات طارئة لإنقاذ العالم من كارثة اقتصادية. هذه “الإشارات” المتدفقة نحو طهران، والتي تلوح بوقف الحرب لعدة أيام وفتح باب الحوار، بل والوصول إلى حد الإغراء برفع العقوبات النفطية، ليست إلا “جزرة” سياسية تُقدم في وقت حرج. إن التاريخ القريب يذكرنا بأن مثل هذه التحذيرات والمناورات الدبلوماسية سبقت عمليات اغتيال كبرى، تماماً كما حدث قبيل استشهاد لاريجاني، حيث ساد ضجيج “السلام” لتمهيد الطريق لرصاص الغدر.
إن ما يتم رصده الآن من مؤشرات “تفاؤلية” هو في الحقيقة نذير خطر وليس بشارة خير؛ فهي محاولات لتشتيت الانتباه وصرف الأنظار عن ترتيبات عسكرية أعمق تجري تحت الطاولة. إن القبول بفكرة أن الحرب انتهت لمجرد أن العدو بدأ يتحدث بلغة الانكسار أو التراجع هو السقوط في الفخ عينه. إن إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، لا تطلب الهدنة إلا حين تشعر أن استمرار النزيف سيؤدي إلى انهيار هيكلي، ولذلك تلجأ إلى “خيار شمشون” السياسي عبر إيهام الطرف الآخر بالانتصار لإجباره على التوقف. إن الحذر اليوم هو السلاح الأهم، فخلف ستائر الدخان الدبلوماسية، تُحاك مؤامرات تتجاوز حدود الميدان لتستهدف إجهاض المنجز العسكري في مهده.
