سودان تمورو:
إذا تأكدت التقارير المنشورة حول اتفاق إيران واليابان لعبور السفن اليابانية عبر مضيق هرمز مقابل رسوم تُدفع باليوان الصيني، فإننا أمام أحد نقاط التحول التاريخية التي تعيد رسم خريطة القوى العالمية. هذا ليس مجرد اتفاق تجاري أو عبور آمن؛ إنه إشارة على تغيير قواعد اللعبة في الساحة الدولية. إيران في هذا المشهد لم تعد مجرد لاعب إقليمي يتحرك في ساحة محددة من قبل الآخرين، بل هي في طريقها لتصبح أحد مهندسي النظام الاقتصادي والأمني الجديد.
حتى الأمس، كان مضيق هرمز رمزاً لارتباط أمن الطاقة العالمي بنظام تحرسه القوة البحرية الأمريكية. كانت أي سفينة، بشكل مباشر أو غير مباشر، تقع في دائرة نفوذ الدولار والأمن الذي تفرضه واشنطن. لكننا اليوم نرى دولة مثل اليابان، بكل روابطها الاستراتيجية مع أمريكا، تفضل ضمان أمن طريقها الحيوي عبر التفاهم المباشر مع إيران ودفع التكلفة ليس بالدولار، بل باليوان. هذا تحول في الثقة. هذا يعني أن قلب النظام المالي والأمني الغربي بدأ ينبض ببطء.
يجب النظر إلى هذا الحدث بما يتجاوز كونه مجرد معاملة مالية. إنه بداية سلسلة من التغييرات: قبول اليوان في واحدة من أكثر نقاط عبور الطاقة حساسية في العالم، يفتح نافذة نحو الإزالة التدريجية للدولار من التبادلات العالمية. عندما يحذو الآخرون حذو ذلك، فإن دعامات الهيمنة المالية الأمريكية ستصاب بالتصدع فعلياً. تُعرّف القوة دائماً في الميدان، ودائماً في الاقتصاد. والآن هذان العنصران متشابكان في مضيق هرمز. إيران، بامتلاكها هذه الرافعة الاستراتيجية، تظهر أن الرد على الاستبداد يمكن أن يكون بتغيير قواعد اللعبة نفسها، وليس فقط بمواجهة عسكرية ضمن الإطار القديم.
قد يتصور البعض أن هذا التحول الهادئ يمكن أن يواجه برد فعل عنيف وعسكري من أمريكا. لكن قوة الردع الإيرانية اليوم تظهر بوضوح أن كلفة مثل هذا التحرك ستكون باهظة لأي معتد. إيران ليست كأي دولة أخرى. ساحة المعركة اليوم ليست فقط ساحة الصواريخ؛ بل هي ساحة الاقتصاد والحكمة. المقاومة التي تستطيع تفريغ هياكل قوة العدو من الداخل، تُرسي دعائم نظام جديد.
هذه هي اللحظة التي تتحقق فيها تلك العبارة الخالدة: “انتهى زمن الضرب والهروب”. لأنه لم يعد بالإمكان إرجاع شعب أصبح هو نفسه كاتب القواعد الجديدة بالقوة القديمة. هذا المنعطف التاريخي لا يتعلق فقط برسوم عبور السفن؛ بل يتعلق بالعبور من نظام بالٍ نحو مستقبل تُكتب فيه حق تقرير المصير، من الميدان إلى الاقتصاد، من قبل الشعوب الجديرة بذلك.
