سودان تمورو
بات واضحاً للعيان أن الإدارة الأمريكية تبحث عن مخرج من مأزقها العسكري والسياسي بعد مغامرة غير محسوبة ضد إيران. فبدلاً من أن تقدم واشنطن مسودة تفاوض تعكس واقع الهزيمة الميدانية والوهن الاستراتيجي، نراها تطرح شروطاً تبدو وكأنها صادرة عن قوة منتصرة. البنود الخمسة عشر المطروحة للاتفاق مع طهران تكشف عن تناقض صارخ بين الواقع على الأرض ووهم صناع القرار في البيت الأبيض.
تفكيك القدرات النووية الإيرانية، ومنع التخصيب على الأراضي الإيرانية، وتسليم اليورانيوم المخصب، وتدمير منشآت نووية حيوية مثل نطنز وأصفهان وفوردو، ومنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات غير مسبوقة. ثم تأتي المطالب الإقليمية: تخلي إيران عن حلفائها، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً. حتى البرنامج الصاروخي الباليستي يُطلب حصره، مع تأجيل البت فيه. في المقابل، تقدم واشنطن وعوداً برفع العقوبات ودعم البرنامج النووي المدني في بوشهر، وإلغاء آلية “العبور التلقائي” لعودة العقوبات.
هذه البنود ليست سوى قائمة أمنيات لواشنطن، تتناسى فيها أن التفاوض يستند إلى موازين القوى وليس إلى الأوهام. فهل يعتقد الرئيس الأمريكي أن إيران ستقدم له طواعية ما عجز عن انتزاعه بالضربات العسكرية؟ هل يظن أن طهران ستتفكك أسلحتها وتمنح مفاتيح منشآتها لأن واشنطن تطلب ذلك؟ لقد أخطأت أمريكا عندما اعتقدت أن الهجوم العسكري سيُخضع إيران، والآن تخطئ مرة أخرى عندما تتصرف وكأنها في موقع القوة وهي تبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهها.
الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن أمريكا لم تعد تلك القاهرة التي تفرض شروطها من موقع المنتصر. لقد باتت تبحث عن اتفاق يغطي هزيمتها، لكنها تقدمه وكأنه انتصار. هذا ليس جهلاً فحسب، بل هو انتحار استراتيجي. لو كان ترامب يريد حقاً “أمريكا أولاً” لجنبها هذا المأزق، ولو كان صادقاً في “جعل أمريكا عظيمة مجدداً” لما أوصلها إلى حافة الهاوية. ما يحدث اليوم هو إسراع في سقوط الهيبة الأمريكية، وتحويلها إلى إمبراطورية أخرى تترنح كما حدث للإمبراطورية البريطانية من قبل.
على مراكز الدراسات الاستراتيجية في أمريكا أن ترفع صوتها الآن، وأن تحذر من أن هذا المسار ليس سوى تسريع لزوال الهيمنة الأمريكية. فالمفاوضات لا تُدار بشروط المنتصر عندما تكون مهزوماً، والحروب لا تُخاض من دون حساب للعواقب. إيران لن تمنح ترامب ما فشل في تحقيقه بالحرب، وواشنطن لن تجد مخرجاً إلا بالاعتراف بالواقع والتفاوض من موقع يعكس التوازنات الفعلية على الأرض. وإلا فستصبح أمريكا ذكرى في كتب التاريخ، كقوة عظمى أضاعت هيبتها بسبب غرور قادتها.
