سودان تمورو:
قد يبدو للوهلة الأولى أن الدخان المتصاعد من ساحات القتال في الشرق الأوسط لا يمت بصلة للغرف النظيفة وفائقة التطور لتصنيع الرقائق في شرق آسيا ومختبرات الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون، لكن واقع الاقتصاد المتشابك اليوم يروي قصة أخرى. فهذه الحرب التي رفعت أسعار النفط بنسبة 58% خلال شهر واحد فقط، وبثت الرعب في أوصال الاقتصادات المعتمدة على واردات الطاقة، تضغط الآن بصمت على عنق واحدة من أهم صناعات القرن الحادي والعشرين. ووفقاً لتحليلات مؤسسات مالية مثل “جي بي مورغان”، وبما أن العديد من الشرايين الحيوية لسلسلة توريد أجهزة الذكاء الاصطناعي تمر مباشرة عبر الخليج، فإن استمرار هذه الأزمة قد يكبّح بشدة عجلة تطوير البنية التحتية لهذه التكنولوجيا الناشئة.
حتى قبل اندلاع الصراع، كانت سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي تعاني من ضيق في التنفس. فقد واجه السوق طلباً جنونياً لدرجة أن “ذواكر النطاق الترددي العالي” بيعت مسبقاً للعام بأكمله منذ أشهر، وكانت عملية التعبئة المعقدة للرقائق المتقدمة تصطدم بتأخيرات تتراوح بين عام إلى عامين. وفي بيئة خُزّن فيها نمو الاستثمارات ليس بسبب نقص الطلب، بل بسبب القيود الشديدة على جانب العرض، يمكن لأي صدمة جيوسياسية أن تلعب دور رصاصة الرحمة.
في خضم ذلك، يكمن كعب أخيل لصناعة الرقائق في مادة لا يعرفها الرأي العام سوى في بالونات أعياد الميلاد: غاز الهيليوم. في عالم أشباه الموصلات، يعد الهيليوم عنصراً لا غنى عنه لتبريد الرقائق في عمليات النقش والطباعة الحجرية المعقدة. هذا الغاز الحيوي هو نتاج مليارات السنين من التحلل الإشعاعي في أعماق الأرض، وعلى عكس العديد من المدخلات الصناعية، لا يمكن إنتاجه في المصانع بناءً على الطلب، بل يمكن فقط استخراجه أثناء معالجة الغاز الطبيعي. ونظراً لأن قطر توفر حوالي ثلث إمدادات الهيليوم العالمية، فإن الهجمات الأخيرة على بنيتها التحتية الغازية والتي أدت إلى انخفاض إنتاجها بنسبة 14%، دقت ناقوس الخطر لعمالقة التكنولوجيا. إن تعويض هذه السعة المفقودة يستغرق ما لا يقل عن 5 سنوات، ولا يوجد حالياً أي بديل علمي أو صناعي له في إنتاج الرقائق.
على الرغم من أن كبار مصنعي الرقائق في آسيا يمتلكون عادة احتياطيات تكفي من 3 إلى 6 أشهر، وأن تضاعف أسعار الهيليوم يضيف 1% فقط إلى تكاليف إنتاجهم، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في الخصائص الفيزيائية لهذه المادة. فالهيليوم السائل شديد التطاير ولا يمكن تخزينه في الخزانات إلا لفترة تتراوح بين 35 إلى 48 يوماً. وهذا يعني أنه إذا ظل شريان استراتيجي مثل مضيق هرمز مغلقاً حتى الصيف، فإن تبخر المخزونات ونفادها سيتحول إلى طريق مسدود وحتمي في إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي.
لكن الهيليوم ليس القطعة الوحيدة في أحجية هذه الأزمة؛ فموجات التضخم الناجمة عن صدمة الطاقة تسحق هوامش ربح الشركات المصنعة. في كوريا الجنوبية، موطن شركتي “سامسونج” و”إس كيه هاينكس” اللتين تسيطران بلا منازع على إنتاج الذواكر المتقدمة، قفزت أسعار الكهرباء الصناعية بنسبة تتراوح بين 39% و 55% منذ بداية العام. والوضع في تايوان أكثر هشاشة؛ فالجزيرة تستورد 97.7% من احتياجاتها من الطاقة، ولا تملك سوى احتياطي من الغاز الطبيعي المسال يكفي لمدة أسبوع واحد فقط. وعندما ندرك أن شركة “تي إس إم سي” وحدها تستهلك ما بين 7% إلى 10% من إجمالي الكهرباء في تايوان، يتجلى عمق الكارثة في حال تعطلت إمدادات الطاقة في آسيا.
بالطبع، ليست صناعة أشباه الموصلات غريبة عن الأزمات، ويسعى عمالقة التكنولوجيا جاهدين للتكيف مع الظروف الجديدة. فقد ركزت “تي إس إم سي” كل طاقاتها على إنتاج المنتجات المتقدمة، بينما قامت “سامسونج” بتفعيل أنظمة إعادة تدوير الهيليوم لإطالة عمر احتياطياتها الحالية. وتعمل الحكومات أيضاً على تفعيل بروتوكولات الطاقة الطارئة للحد من الآثار قصيرة المدى لهذه الصدمة. ومع ذلك، تبقى هذه الإجراءات مجرد مسكنات مؤقتة لجرح عميق. فإذا طال أمد نيران هذا الصراع، ستنهار مرونة سلاسل التوريد العالمية، وستنتقل ضغوط التكلفة مباشرة إلى العملاء، مما سيؤدي إلى تبخر هوامش أرباح كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية. لن يختفي الطلب الهيكلي العالمي على الذكاء الاصطناعي أبداً، لكن سرعة عجلاته ستتباطأ بشدة. والآن، بالنسبة للمستثمرين والاستراتيجيين في مجال التكنولوجيا، أصبحت مدة الصراع المتغير الأهم في التنبؤ بمستقبل ثورة الذكاء الاصطناعي وما تحمله من تداعيات عميقة على سلاسل التوريد.
