الأحد, يونيو 7, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تكسر إيران هيبة أميركا وتُنهي أسطورتها للأبد؟.. بقلم سعد الدين عطية...

كيف تكسر إيران هيبة أميركا وتُنهي أسطورتها للأبد؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

عطفاً على القراءة التحليلية للمشهد الراهن، والتي خلصت إلى مفارقة قاسية مفادها أن واشنطن، وإن كانت تتجرع اليوم نصيبها المر من كأس هذه الحرب العبثية عبر نزيف عوائدها المتأتية من استثماراتها الخليجية، أو من خلال موجات التضخم وارتفاع الأسعار التي بدأت نذرها تلوح في الأفقين الأميركي والعالمي؛ إلا أنها تظل قادرة على امتصاص الصدمات. فالآلة الأميركية تمتلك آليات تعويض مرنة، متكئة في جبران خسائرها المادية على هيمنتها المطلقة على النظام المالي العالمي المدولر، وشبكة استثماراتها الأخطبوطية في قطاعات التقنية وغيرها. وفي المقابل، يقف المشهد الإيراني ومعه دول المنطقة على النقيض تماماً، كطرف أكبر تضرراً تُطحن بنيته التحتية وتُستنزف مقدراته الاقتصادية في دمار سيستغرق التعافي منه حقبة طويلة بعد أن تضع الحرب أوزارها. وأمام هذه المعادلة غير المتكافئة اقتصادياً، يبرز التساؤل الوجودي: كيف يمكن لطهران أن تقلب الطاولة وتنتصر؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تكمن في محاولة مجاراة القدرات المالية الأميركية، بل في استراتيجية قاسية ومؤلمة يمكن تسميتها بـ “استيعاب الصدمة المميتة والرد الموازي”. فالحل الجذري يكمن في استعداد إيران لتحمل أقصى درجات الألم الناجم عن الضربات الأميركية، والقبول المرحلي بخسارة البنية التحتية والاقتصادية، وانقطاع شرايين الصادرات النفطية، ونضوب مصادر العملة الصعبة، والاضطرار القاسي لاستيراد معظم الاحتياجات الأساسية. لكن هذا التحمل يجب ألا يكون سلبياً، بل يجب أن يتزامن مع استمرار مذهل في توجيه الضربات الموجعة وتحقيق انتصارات عسكرية تكتيكية واستراتيجية على القوات الأميركية، سواء عبر إسقاط درة تاج صناعتها العسكرية من المقاتلات، أو من خلال ابتكار أي أسلوب هجومي غير متماثل تتيحه ظروف الحرب ومساراتها المعقدة، لتجريد واشنطن من هيبتها العسكرية وإهانتها أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.

وهنا لا يُقصد أبداً أن تركن الحكومة الإيرانية إلى سياستها الكلاسيكية المعروفة بـ “النفس الطويل” في مواجهة العدوان وكفى. فهذه السياسة، وإن كانت مؤسسة للتحرك الإيراني، إلا أنها في أوقات الحروب الطاحنة قد تتحول إلى عبء إذا لم تُدعم بحراك داخلي نشط. المطلوب اليوم هو عمل دؤوب ومستمر لمواصلة ضخ الزخم الثوري والوطني في عروق الشعب، وإقناعه بأن هذا العبء الهائل هو ضريبة حتمية للبقاء. يجب أن تُدار العقلية الجمعية بمنطق أن الانتصار النهائي في هذه الملحمة سيكون حليفاً حصرياً لمن يصمد أطول في معركة “عض الأصابع”، وأن من يصرخ أولاً سيخسر كل شيء.

وما يعزز من فرص نجاح هذه الاستراتيجية هو الواقع الشعبي الداخلي؛ إذ تشير التقارير والقراءات العميقة للمجتمع الإيراني إلى أن هناك شبه إجماع وطني فرضته لحظة التهديد الوجودي. فالشعب الإيراني، سواء في ذلك الكتلة الصلبة الموالية للنظام أو تلك الشريحة الواسعة التي تقف في “المنطقة الرمادية” وربما تختلف مع السلطة في بعض سياسات الداخل، يقف اليوم صفاً واحداً في دعم استمرار المعركة حتى تحقيق أهدافها الكبرى. وأدنى هذه الأهداف هو ترسيخ معادلة ردع إيرانية قاسية تصم آذان الأعداء، وتجعل مجرد التفكير في شن هجوم عسكري مستقبلي على التراب الإيراني ضرباً من الانتحار الاستراتيجي.

وبطبيعة الحال، لن يقف العدو مكتوف الأيدي أمام هذا الصمود، بل سيسعى بكل ما أوتي من أدوات استخباراتية وإعلامية لتفعيل خلاياه وجماعاته في الداخل الإيراني، بهدف استثمار المصاعب المعيشية القاهرة التي تخلفها حالة الحرب لزرع بذور التذمر والتمرد. وهنا تبرز الأهمية القصوى للمجموعات والأجهزة المتخصصة في الأمن الاجتماعي والنفسي، والتي يقع على عاتقها خوض حرب موازية لا تقل ضراوة عن حرب الجبهات. مهمة هذه الأجهزة ليست قمعية، بل هي مهمة حشد وتعبئة مستدامة، لإبقاء الشعب ملتحماً بقيادته، وتوضيح المعادلة الصفرية التي تواجهها الأمة: إما الصمود وتحمل الألم المؤقت من أجل استقلال وسيادة وكرامة تدوم، أو الانهيار الذي لن تكون نتيجته سوى خسارة مذلة واستسلام مهين سيجعل من البلاد رهينة لأجيال قادمة.

في نهاية المطاف وبعيداً عن حسابات الأرباح والخسائر المادية اللحظية التي تتفوق فيها واشنطن، تبرز الحقيقة التاريخية والجيوسياسية التي أؤمن بها إيماناً مطلقاً ويقيناً لا يتزحزح؛ وهي أن لإيران نفساً أطول بكثير من أميركا وإسرائيل وحلفائهما. فالدول التي تُحركها عقيدة البقاء والارتباط العميق بالأرض وتاريخ من المظلومية والمقاومة، تمتلك قدرة أسطورية على امتصاص الألم وتجييره لصالح المعركة، بخلاف القوى الإمبراطورية والوظيفية التي تخوض حروبها بعقلية الشركات، والتي سرعان ما تتصدع إرادتها وتتآكل هيبتها عند أول اختبار حقيقي للصمود واستنزاف الدماء والكرامة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات